وأخيرًا فإنه ليس عبثًا أن النهضة الغربية السابقة للحضارة الصناعية، بزمن طويل، لم تظهر إلا في إيطاليا، أي في مثل جنوا، وفلورنسا، وفينيسيا، تلك الدول الصغيرة التي كان الحكم فيها مضطرًا إلى الأخذ ببعض مبادئ الديمقراطية، ولئن تقدمت الدول الأخرى بعد ذلك، فبالعدوى، من إيطاليا نفسها، وحكوماتها الصغيرة، أما في الشرق فإن كل شيء يشير إلى أن نوعية الحكم تقف حائلًا حتى دون هذه العدوى.
ويطول الحديث في أيامنا هذه عن ضرورة وصل الحاضر العربي بماضيه، والعودة إلى التراث. وتختلف الآراء حتى لتجد من ينكر التراث كل الإنكار، وتجد من يرى أنه الأول والآخر. لكن الكثيرين لا يحاولون تعريف التراث الذي يتحدثون عنه. فإن كان علمًا أو فلسفة، فلا ريب أن العصر تجاوزه، ولم يعد لنا به من حاجة إلا في بحث تاريخ الحضارات. وإن كان أدبًا فهو لغتنا وأساليب بياننا، وصورة حياتنا، وليس علينا إلا أن نغني أنفسنا به، متجاوزين في ذلك تلك الحدود التي وقف عندها. أما إذا كان لا بد حقًا من التراث، فإن إعادة الحياة إلى قيمنا الأصلية، هي بمثابة الأمر الحيوي الذي نشعر أن حاضرنا يستند فيه إلى الماضي. وما دمنا نتنكر لمثل هذا التراث، فعبثًا نعود أو نحاول أن نعود إلى حياة كريمة.
المراجع والحواشي:
(1) -كتب في هذا الموضوع، الأستاذ عبد الله غوشة، في مقال له، نشر في كتاب: الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة، جمع وتقديم محمد خلف الله.
(2) -تاريخ الأمم الإسلامية. الخضري. الجزء 2 ص 17.
(3) -انظر كتاب جورج جرداق: بين علي والثورة الفرنسية ولا سيما فصل المقابلة بين مبادئ علي، ومبادئ الثورة الفرنسية ص: 443- فما بعدها. مطبعة الجهاد- بيروت.
(4) -الخضري: تاريخ الأمم الإسلامية ص: 117- الجزء الثاني.
(5) -انظر مجلة المستقبل العربي العدد 9/9/1979.
(6) -حضارة الإسلام. ص: 190 فما بعدها.