ومع ذلك، فإن الواقعية السياسية، لا النظريات المثالية، تفرض علينا في بعض الظروف الاستثنائية- أن نقبل بالتخلي عن الحرية بصورة مؤقتة، لاسترداد حقوق، تبدو في المنظور القائم أعظم شأنًا من الحرية. لكن المشكلة هنا أنه متى تم التخلي عن الحرية، لم يعد من السهل استردادها، وطال زمن قمعها، بألف حجة ممكنة. ولكن حتى هذا يظل مقبولًا من الوجهة الواقعية- إذا استطاع الحكم أن يستمد مشروعيته- بصورة لاحقة- من فضائل تدابيره، وسلامة سلوكه. ومن المؤسف أن انحسار القيم العربية الإسلامية الأصيلة لم يساعد على تقدم العرب والمسلمين، بل أدى إلى انحطاطهم المتزايد، مما جعلنا لا نستفيق على الحياة، لنفرح بها، ولكن لإحصاء همومها. ومنذ بحث الغربيون في التخلف العربي، أي منذ أكثر من ثلاثة قرون- بدءًا من الطبيب الفرنسي بيرنييه (1670) الذي زار بلادنا، وكتب عن رحلاته فيها، ومرورًا بمونيتسيكيو وفولتير ومن بعدهم، لم يستطيعوا إلا أن يعزوا هذا التخلف لاستبداد الحكم، وتعسفه اللامعقول، وفقدان كل حرية، حتى حرية التملك (14) . ومن الجدير بالملاحظة أن هؤلاء المفكرين عاشوا في عهود الملكية المطلقة، أي الاستبداد الأكبر، فكأن الاستبداد الشرقي مختلف نوعيًا عن الغربي، لأن الأول لم يتح إلا التخلف، والثاني أتاح التقدم، بحيث كنا نبدو للغربيين وكأننا من نوع آخر من البشر، وأن في استبدادنا ما يحول دون أي تقدم، خلافًا لاستبدادهم الذي نظروا إلينا من خلال نتائجه لديهم، فكانت هذه تقدمًا، نُدعى نحن متخلفين بالنسبة إليه.