والخلاصة، إن حرية الفكر مبدأ مقرر في الدين الإسلامي، والروح العربية، غير أنها سرعان ما تبددت بفعل وتأثير الحضارات الشرقية المجاورة، كالفرس والروم، وعلى حين أن العالم الرومي أو الغربي جملة قد تطور من الاستبداد إلى الحرية، فإن هذا التطور لم يُعرف بعد في أرضنا، مما يشير إلى أننا لا نعيش ديننا، بل نعيش نقيض هذا الدين. وليس مجرد دعوى أن يقال إن العرب ضلوا طريقهم عندما حادوا عن قيمهم الدينية، بل إن هذا هو الحقيقة تمامًا، متى فهمنا أن الدين ليس مجرد صلاة وصيام ولكنه مجموعة قيم مثالية، تتناول صميم الحياة، وأن من أولى هذه القيم حرية الرأي والتعبير التي لم يؤد كبتها وقمعها إلى تخلف جانب خاص من الحياة العامة، بل إلى تأميم هذا التخلف، ومدّه على كل نطاق، وإبقائنا أسرى له باستمرار، حتى في مجال الدين. ولا ننسَ بطبيعة الحال أن المفارقة الكبرى هي أن يزداد قمع حرية الرأي، بمقدار ما تكثر وسائل التعبير عنه، كأن هذه الوسائل الكثيرة من صحافة وإذاعة وتلفزة ونشر واسع للكتب والمطبوعات لم تكن إلا وسيلة لزيادة قمع الحرية وكبتها.