فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 23694

ومع أن هذا النوع من التفكير مخالف مخالفة تامة لنصوص شرعية هي أكثر ما تكون وضوحًا، فإن مجرد وروده على لسان مثل هؤلاء الأئمة يعني أو يجب أن يعني أن صاحب السلطان كان يستطيع القضاء على كل من يجرؤ على الجهر برأي شرعي يناقض واقع السلطة اللامشروعة. وهكذا يلخص ابن خلدون تطور فكرة حرية الرأي- حتى تلك المستندة إلى الدين- في مثل الكلمات التالية:

"إن الإمامة زمن الراشدين كانت تقوم على الشورى، وكان أساسها الوازع الديني وبساطة المجتمع. وكانت الإمامة نوعًا من العقد. فتولية الخليفة تعبير عن اتفاق مشترك. ولكن التحولات الاجتماعية بعد الفتوح أدت إلى الفتنة، ثم أفضت إلى ضعف الوازع الديني، وظهور العصبية أساسًا للسلطة، ومع ذلك تدهور مفهوم الشورى، إذ انحسر فتحول من الأمة إلى أصحاب العصبية وصار إلى أهل الحل والعقد منهم. وحين تعتمد السلطة على العصبية فإن ذلك يعني تحولها التدريجي من الموافقة إلى الإكراه" (9) .

ولنلاحظ أن فقدان الشورى لا يقابل إلا الاستبداد من جهة الحاكم، والخضوع من قبل المحكوم. والقضاء على كل رأي حر. وعندما يتبدل الحاكم، يتبدل الرأي الذي يجب الأخذ به، ويصبح حلال الأمس حرام اليوم. ففي عام 738 أمر الخليفة هشام (724-743) بقتل جعد بن درهم لأنه أخذ بمبدأ خلق القرآن... وعندما سمع هرون الرشيد (786-809) أن بشرًا المريس يرى أن القرآن مخلوق، هدده بقتله بطريقة لم يقتل بها أحد قبله. فاضطر أن يختفي عشرين سنة.. إلا أن المأمون بن هرون (الذي كان مشغولًا بألف ثورة) . أعلن على الملأ عام 827، أن من لا يقول بخلق القرآن فليس له حظ من الدين ولا نصيب من الإيمان واليقين. لا بد إذن أن أبا المأمون المسكين قد مضى إلى النار مباشرة، بحكم رأي ابنه المأمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت