وبطبيعة الحال، فإن هذا مجرد مثل على فقدان حرية الرأي، فقدانًا يصل به الأمر إلى أن من يأخذ هو نفسه بمبدأ الحرية، يقمع بمنتهى القسوة من لا يقبل هذا المبدأ. ولم يكن القمع مما يتناول البعد الجسدي، بالقضاء على الفرد بالموت، ولكن يتناول مصادرة الأموال. حتى أصبحت هذه بابًا هامًا من أبواب الموازنة، زمن العباسيين ومن بعدهم. وأصبح الناس يخفون ثرواتهم ويتظاهرون بالمسكنة ويركمون المال بلا توظيف، خوف المصادرة (10) . وهذا هو السر من أن الطبيعة البورجوازية لم تعرف حقًا في المجتمع الإسلامي، على ما يرى الدكتور عزة حجازي في مقاله في مجلة المستقبل العربي 10 (11-979) . بل إن بلادنا لم تعرف قط صورة النظام الإقطاعي التي عرفها الغرب. لشدة التقطع في انتقال الأرض من يد إلى يد. طبقًا لإرادة السلطان. وهكذا لم يتراكم رأس المال المنتج. ولم يتجل في تنمية ولا في بناء ولا عمارة ولم يوجد بحكم ذلك طبقة تحمل مشعل التقدم الحضاري، على نحو ما حدث في العالم الغربي. وليس من الأمور القديمة الدلالة أن الأخذ بالنظام الديمقراطي في الربع الثاني من القرن العشرين، في بعض البلاد العربية. لم يكن إلا شكليًا، أي أنه دكتاتورية بواجهة ديمقراطية كذلك فإن العقائدية التقدمية الأوسع انتشارًا من غيرها في وطننا، هي التي تسوغ الاستبداد وتركزه على أسس نظرية، وتفلسفه وتجعله ضرورة نظرية لها منطقها. ولو أن ابن خلدون عاد إلى الوجود، وتابع الكتابة في مقدمته لما رأى أية حاجة لتعديل جوهري في النص الذي استشهدنا به من قبل. فكأن رسوخ التقاليد الساسانية والرومية القديمة هو من القوة. بحيث يميل بنا، لا شعوريًا، إلى القبول الأكبر لكل عقائدية تبرر الاستبداد، وتحويل كل عقائدية حرة، إلى لون جديد نطعمها فيه بالعقائدية القاضية على الحرية. وكما استطاع المتنبي أن يقول يومًا:"بكل أرض وطئتها أمم.. ترعى بعبد. كأنها غنم"وأن يقول:"وماذا بمصر من المضحكات."