فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 23694

ونلاحظ بغير عناء أن التوازن بين التساهل في شروط الخلافة من جهة أولى، وتضييق باب الاجتهاد في التشريع من جهة أخرى، توازن يلفت النظر، والعنصر المشترك هنا هو الاعتماد على السلطة، كبديل عن الاعتماد على العقل. وعندما يقرر حتى ابن خلدون أن الخلافة إنما تؤخذ بالغلبة، ويجعل من ذلك نظرية مقررة كما لو أنه يلتزم بالواقع وحده كما كان يجري تحت سمعه وبصره قبل حياته وخلالها فإنه ليس من الصعب أن يلتزم الأئمة أكثر فأكثر بالنصوص الحرفية الواردة في شأن الدين. وكل ذلك إنما يغرينا بالقول: لقد تزامن ضيق الحرية الفكرية الدينية مع ضيق الحرية السياسية، وحرية التعبير. ويخيل إلينا أن هذا المر طبيعي، إذ لا بد للبنية الاجتماعية الواحدة أن تعزز نظريات متماثلة ولو كان علينا أن نتابع تطور الحياة السياسية وتطور الفكر الديني، لوجدنا حرية الفرد في الحالين، إنما تقع على مستوى واحد، فكلما ضاقت في جانب، ضاقت في الآخر، والعكس بالعكس.

وخلاصة كل ما تقدم، هي أن حرية التعبير كحق متساو ومشترك بين المسلمين، بدت وكأنها أصل في الحياة الاجتماعية للإسلام، بنص القرآن، وسلوك النبي، إلا أنها ما لبثت أن تراجعت خطوة بعد خطوة، بمقدار ما كان الطامعون بالخلافة يعتمدون القوة وحدها، للوصول إليها، مغلفين نجاحهم برداء المذهب الأشعري الذي يعتبر كل ما يقع، كأنه قدر من الله، لا سبيل إلى الإفلات منه، ومعتمدين على نظرية غريبة عن الدين، بمقدار ما كانت رائجة، وهي أن الخليفة واجب الإطاعة، وغير مسؤول أمام رعيته وقد وجد بطبيعة الحال من يبرر هذه الفكرة من رجال الدين، تبريرًا وصل بأمثال الغزالي، على ما كان عليه من نقاء ديني، إلى حد القبول بالخليفة ذي الشوكة، العاصي، عندما لا يوجد له بديل، من حيث أن نظام القهر أفضل على كل حال من الفوضى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت