فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 23694

"وكان مركز القاضي الحرج بإزاء سلطة تنفيذية تعمل على مقاومته، واستحالة احتفاظه على وجه الإجمال بضمير صاف نقي أمام ضغط الخليفة عليه بالمطالب استنادًا إلى مقتضيات السياسة العليا، فضلًا عن كراهية إصدار أحكام على إخوان له من المسلمين قد تكون مكانتهم الخلقية أعلى بكثير من مكانة القاضي نفسه، كل هذه العوامل جعلت الأتقياء ينفرون من ذلك المنصب. فلم يبق شيء يبرر به هؤلاء الأتقياء قبولهم لذلك المنصب إلا القسر والإجبار. وما أكثر ما كان المشرع يضطر إلى استخدام علمه ليبرر من الأمير ما لا ينهض له عذر ولا مبرر، أو يسوغ على الأقل، ما هو مخالف للشريعة، وذلك بليّ التأويلات ليًا بارعًا، أو حتى بتنفيذ نصوص الأحاديث. وكان ذوو الورع يخافون من الخلود في نار جهنم عندما يحملون قسرًا على القضاء. ألا ترى إلى أبي حنيفة كيف لم يقبل قضاء بغداد حتى ضرب وأوجع؟"

أما ما يتصل بانحدار حرية الرأي، أو الاجتهاد كما يقال في لغة الفقه. فإن غرينباوم نفسه يعلق على ذلك بقوله:

"والمذاهب السنية البكرى تختلف إبان مراحل تطورها الأولى من ناحية تسليمها بشرعية الرأي، أو عدم اعترافها بذلك. ومما هو جدير بالملاحظة أن المذاهب الأربعة كانت تزداد ضيقًا بالرأي كلما تقادم عليها الزمن- وكان كل من الأئمة العظام: أبو حنيفة (المتوفى عام 767هـ) ومالك بن أنس (المتوفى 795) والشافعي (المتوفى 819) وأحمد بن حنبل (المتوفى 855) وداوود الظاهري (المتوفى عام 883) أقل ميلًا إلى إجازة الرأي من سابقه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت