فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 23694

وهكذا نجد أن العلاقة وثيقة بين رفض الإلزام وضرورة الشورى. إذ متى امتنع الإلزام، كان لا بد من الشورى. ونلاحظ أن الإلزام مكروه مستهجن في نص القرآن نفسه: ?ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟? (10-99) ولكن الإكراه مرفوض جملة وتفصيلًا، بدليل الآية القائلة: ?ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنًا، لتبتغوا عَرَض الحياة الدنيا، ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم? (24-33) ، والآية القائلة: ?يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا، ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن، إلا أن يأتين بفاحشة? (4-18) . فإذا كان الإكراه مرفوضًا حتى في أعظم الأشياء عند الله، فكيف لا يكون كذلك فيما هو أدنى. وعندئذ لا مقابل لرفض الإكراه، إلا الشورى التي لا يرى القرآن أن تكون معنى متضمنًا في مبدأ أكبر، بل يصرح بها، ويصر عليها، ويوجبها. وكذلك لا معنى للشورى إلا في حرية الرأي.

وكثيرة هي الآيات التي ترد بصيغة الإخبار العادي، لكنها لا تعني مجرد الإخبار، بل تعني الإلزام المعنوي. فإذا قال القرآن: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا يعني أنه يجب أن تنهى عنهما، لأن من صلى لا ينتهي، حكمًا، عن المنكر. وعندما يقول: وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا- والذين يجتنبون كبير الإثم والفواحش- والذين أقاموا الصلاة- والذين أمرهم شورى بينهم، فهذا يعني أن نعم الآخرة لن تكون إلا لهؤلاء: وهؤلاء وحدهم. وعلى هؤلاء، لا أن يجتنبوا كبير الإثم والفواحش، ولا أن يقيموا الصلاة فحسب، بل عليهم كذلك أن يكون أمرهم شورى بينهم. وإذا ذكرنا الآية التي يرد فيها القول: وشاورهم في الأمر، تبين لنا أن الشورى ليست أمرًا مستحبًا فحسب، بل هي أمر صريح كالأمر بالصلاة، وباجتناب الآثام الكبيرة، لأن الآية تعطف كل هذه الجمل بعضها على بعض، ولا مبرر لجعل الواحدة منها أهم من الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت