2-كيف مورست هذه القيمة في العهد الذهبي للإسلام
وعلى ذلك فإن قناعتي الأساسية هي أن الإكراه مرفوض والشورى بين المؤمنين أساسية، وأصل في الدين. ولا مجال للأخذ برأي آخر. وكيف يمكن أن يؤبى الإكراه في الدين، ويقبل في الدنيا؟
ولكن لننظر هل كانت هذه القيمة"أمرًا نظريًا"يقرره الدين بصورة شكلية، ولكنه يتسامح به في الحياة العملية، ويتجاوزه في المناسبة بعد المناسبة، على يد الرجال الأوائل الذين آمنوا بالإسلام، وأخلصوا في إيمانهم كل الإخلاص؟
أما أنه ليس من المقعول أن تنزل على النبي آية تقول: وشاورهم في الأمر، وأن يستبد النبي (ص) برأيه في الأمور العامة، فذلك ما هو واضح جدًا. بل إن من طبيعة أية دعوة جديدة، أن يأتلف القائمون بأمرها ائتلافًا عميقًا، وأن تكون الشورى قاعدة لسلوكهم، إذ لا مجال لنجاحها إن اختلف هؤلاء حول السلوك الذي يجب اتباعه من أجل نشرها. وهكذا نجد الرسول يندب الناس إلى اعتراض أبي سفيان في طريقه إلى مكة، ومعه أموال وتجارة. فخف بعضهم، وثقل آخرون، ولم يؤاخذ المتثاقلين. وعندما علم أن قريشًا خفت لنجدة أبي سفيان بعدد كبير، استشار من معه، أيجب أن يتم الصدام، أم لا يجب، وحرص على استشارة الأنصار لأن العدد فيهم. فأجابه سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: أجل. قال سعد: قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق... فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، وذلك في كلام طويل اجتزأنا منه ما نحن بحاجة إليه. ولا ننسَ هنا كلام الحباب بن المنذر في اختيار النبي للمكان الذي يريد فيه لقاء العدو، على أول ماء من بدر. إذ نصح للنبي أن ينهض بالناس ليحل في أول ماء من القوم، ويبني حوضًا يملؤه ماء، ويقاتل القوم، فيشرب هو وأصحابه ولا يشرب أعداؤه. وكذلك استمع النبي (ص) لسعد عندما رأى أن يبني له عريشًا، ولأصحابه الآخرين في قبول فدية الأسرى.