فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 23694

وهنا أجد الآية تقول: ?وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون? (51-56) . ومعنى ذلك عندي أن الله لم يخلق مخلوقاته كلها إلا لتعبده، أي لتؤمن بالدين الذي يوحي به إلى رسله، كما لو أن فعل الخلق نفسه لم يكن ليوجد لولا حرص الخالق على أن يعبده. وعندما نتذكر الآية القائلة: ?إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيمًا? (4-47) أو الآية الأخرى القائلة: ?إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالًا بعيدًا? (4-116) ، فإننا نفهم من ذلك، بقدر ما تتسع عقولنا للفهم أن جوهر العبادة، هو الاعتقاد بوحدانية الله، وأن الإشراك هو الذنب الوحيد الذي لا يمكن أن يغفر، أو أكبر ذنب يمكن أن يقترفه الإنسان.

ولا شك أن وراء الإيمان بوحدانية الخالق واجبات دينية أخرى، تنشأ منه، وتصدر عنه، كالصلاة والصوم والحج، كتعابير خارجية عن هذا الإيمان، ثم وراءه واجبات تتصل بصلاح أمر الناس في الحياة العامة، وانتظامها بنواظم واضحة. إلا أن المطلق الأول في الدين هو الاعتراف بوحدانية الله. وطبيعي بعد ذلك أن تؤلف تعاليم الدين كلها"وحدة عضوية"متماسكة، يكتمل بها الإيمان. فإذا قلنا إن جوهر الدين هو عدم الشرك، قلنا كذلك إن جملة الواجبات المتصلة بهذا الجوهر، هي"الدين"ككل.

ولندع الواجبات الدينية والدنيوية التي يمكن أن يغفرها الله لمن يشاء، ولنقف على الإيمان بوحدة الخالق، ولنتساءل، هل يمكن أن يوجد أي مطلق آخر أكبر من هذا المطلق الأول في الدين؟ إن إحصاء سريعًا للآيات الواردة حول الإثم المقترف بالشرك تزيد على المئة بالتأكيد. وما من شيء آخر خص في القرآن بمثل هذا العدد من الآيات، مما يشير إلى أن الله يعتبر الإيمان بوحدانيته شرطًا أول للدخول في ملكوته. فبماذا فرض الله هذا الإيمان على الناس، أبالإكراه القسري، وهو أقدر من يستطيع ذلك، أم بالرضا والقبول الطوعي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت