وعلى ذلك فإن في وسعنا ألا نستغرب أن يكون التطور الاجتماعي قد قطع مراحل كثيرة لدينا منذ عهد العباسيين حتى الآن، واختلف النسيج الشعبي، وارتقى المستوى الثقافي العام درجات كبيرة، ومع ذلك فإن صورة النظام السياسي بصورة عامة ظلت واحدة، كما لو كنا لا نزال في عهد أبي جعفر المنصور، أو تحت وصاية المماليك، على الرغم من اختلاف المؤسسات ودساتير الحكم، ونواظم العمل. وأبرز ما في هذه الوحدة في الحكم، أن الفرد والحكم يظلان قطبين متعارضين في الأغلب والأكثر، وأن نواظم الالتقاء بينهما تظل شكلية، صورية، وأن الحكم يتفرد بالغلبة والقهر، بغض النظر عن كل النواظم الشكلية أو الظاهرية.
1-حرية الفكر كقيمة تراثية
عندما نعيد قراءة القرآن الكريم، ومن عادة المسلم ألا ينقطع عن ذلك، حتى ولو اكتفى بالاستماع إلى الإذاعات الرسمية، فإنه، متى كان في ذهنه موضوع ما، يقف مضطرًا عند بعض الآيات ذات الدلالة فيما يتصل بموضوعه. وهكذا فقد وجدتني أتساءل عن قيمة الدين نفسه، لا بالنسبة للإنسان المعاصر- الذي لا يزال ديني النزوع إلى حد كبير، أو قل إن هناك قطاعات شعبية كبيرة في كل مكان، لا يزال الدين أمرًا أساسيًا جدًا بالنسبة إليها- ولكن بالنسبة للإله نفسه الذي يفرض الدين على عباده.