ولئن قلنا إن الحياة الاقتصادية انتقلت من حياة الصيد إلى الرعي، إلى الزراعة، فالصناعة الصغرى، فالكبرى، أو من العبودية إلى الإقطاع فالبورجوازية، فالاشتراكية، وكان هذا الانتقال طبيعيًا وضروريًا، فإنه يجب القول، بحكم هذا المنطق نفسه، إن الحياة السياسية تنتقل هي الأخرى أيضًا، من الديمقراطية البدائية، ديمقراطية القبيلة، إلى الاستبداد المقابل للإقطاع (سواء أكانت هذه الدكتاتورية مركّزة يقوم بأمرها شخص واحد، أم مفتتة، يقوم بأمرها أمراء أو حكام مقاطعات كثيرون) ، ثم إلى الديمقراطية البورجوازية المقابلة لعهد الصناعة الصغرى، ثم إلى دكتاتورية البروليتاريا المقابلة للعهود الأولى للاشتراكية، كمقدمة للديمقراطية الشعبية الشاملة، أو كنقيض لديمقراطية الأقلية في العهد البورجوازي. وأغلب الظن أن القيم، كل القيم، مهما يكن مصدرها، ومن الأرض جاءت أم من السماء، تعيش حياة المجتمع وتتطور بتطوره. ولكن كل شيء يتم كما لو أن التقابل بين القيم وصور الحياة الاقتصادية، ليس توازيًا، ولا تعادلًا، ولا يمضي بالسرعة نفسها على كل الخطوط. فالهند مثلًا ديمقراطية، والباكستان ديكتاتورية. هذه منذ وجدت، وتلك منذ نشأت كدولة مستقلة، على الرغم من أن أدوات الإنتاج، ومستوى التطور العام، في الحالين أشياء غير مختلفة، مما يشير إلى أن هناك"اختيارًا"متاحًا للإنسان، أو هامشًا من حرية الاختيار، مردُّه أولًا وأخيرًا إلى الشعور الجمعي، أو إلى من يُمثل هذا الشعور الجمعي في بعض اللحظات التاريخية الحاسمة. وليس لهذه الملاحظات كلها من قيمة أخرى غير إيضاح هذه الصور العشوائية من التطور التاريخي للمجتمعات السياسية، التي لا تصب كلها في قالب واحد، ولا ينتظمها قانون واحد.