ومع ذلك فإنه يمكن التساؤل هل كانت حرية الفكر، من حيث هي قيمة، مقررة في الدين أو غير مقررة، ومؤكدة بالتقاليد القبلية أم غير مؤكدة، ستتبع في تبدلها، أو تطورها مسارًا آخر غير الذي جرت فيه، لو أن التآثر بين المجتمعات العربية وغير العربية لم يتم، أو لو أن التطور لم يتناول من الحياة العربية إلا مظهر الانتقال من حياة البداوة إلى الحياة الحضرية، دون تأثر آخر بالمجتمعات الأخرى؟ إن هذا التساؤل مجاني ولا ريب. ولكنه هام مع ذلك. إذ إن المجتمعات الشرقية والغربية معًا، في تلك الأيام، كان الكثير منها قد انتقل إلى الحياة الحضرية، لا سيما في الهند أو في الصين. إلا أن دكتاتورية الحكم، وقمع حرية الفكر، الذي كان سهلًا يومئذ لعدم وجود وسائل الاتصال الحديثة، كالإذاعة والتلفزيون كانا دومًا ماثلين للسياسة العامة، على الرغم من ضعف التآثر بين المجتمعات المختلفة يومذاك. وإني لأعبر عن رأي شخصي بحت، عندما أقول: إنه على فرض أن حرية الفكر كانت مقررة كمبدأ، في الدين، فلا ريب أنها ستتطور باتجاه التدهور والانحطاط، سواء أتأثر المجتمع العربي بغيره، أم لم يتأثر، جريًا على سنة التطور السياسي العام في حياة كل المجتمعات.