فهرس الكتاب

الصفحة 2938 من 23694

على أنها لا تعد مخالفة إلا في ظاهر الأمر، أما بالنظر إلى حقيقته، فإن ذلك هو عين اتباعه عليه الصلاة والسلام فيها. إذ أنه ما كان يتخير من وجوه التطبيقات لتلك المبادئ والأصول الكلية ما تقتضيه الظروف والأحوال مما يتفق وقانون المصالح العامة، إلا وهو يعلم خلفاءه في الحكم من بعده أن يتحروا كما يتحرى، وأن يتلمسوا مصالح الأمة كما يتلمس فإذا اقتضى هذا التحري منهم أن يختاروا في أزمنتهم وجوهًا تطبيقية أخرى لتلك الأحكام الكلية، فذلك هو عين التأسي بسنة المصطفى وهديه في هذا النوع من الأحكام. ولو أنهم سلكوا غير هذا السبيل لكانوا متجانفين عن سنته حائدين عن سبيله.

ومن الأمثلة التطبيقية لذلك، المعاهدة التي أبرمها النبي عليه الصلاة والسلام بين المسلمين ويهود خيبر بعد غزوة خيبر. فقد رأى عليه الصلاة والسلام بوصف كونه إمامًا أعلى للمسلمين أن المصلحة لهم تقتضي أن يستجيب لما اقترحه اليهود عليه، فيبقيهم على أراضيهم التي كانوا يعملون فيها والتي أصبحت ملكًا للمسلمين، على أن يعملوا لهم فيها كما كانوا مقابل أخذهم بعض ما يخرج منها.. ثم تولى الخلافة أبو بكر، فرأى أن يبقي هذه المعاهدة على حالها، إذ لم يجد ما يستدعي إلغاءها. ثم جاء من بعده عمر، فرأى بعد حين أن يلغيها ويخرج اليهود من خيبر بناء على ما لمسه من التطورات والمصالح المستجدة التي اقتضت بنظره ذلك (13) .

ثم إن معظم ما يسمى بأحكام الإمامة معروف ومتفق عليه، وهو باختصار كل ما يتعلق بسياسة السلم والحرب وتوزيع الاقطاعات وتنظيم العلاقات المناسبة بين المسلمين وغيرهم إلى جانب القضايا التنظيمية والإدارية على اختلافها.

إلا أن الفقهاء اختلفوا في طائفة من الأحكام الأخرى، لم تستبن لهم دلائل قاطعة على كونها من أحكام الإمامة أو التبليغ. منها حكمه ( بأن من أحيا أرضًا ميتة فهي له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت