فقد أمر الله رسوله -على سبيل المثال- بالجهاد، فقال له"يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم.."ولكنه ترك إليه اختيار أفضل السبل لتنفيذه والقيام به، وأعطاه حق المرونة في سياسة تطبيقه، على أن يكون محور ذلك كله تلمس المصلحة التي شرع من أجلها الجهاد. فإن رأى المصلحة تقضي بإعلان الحرب على الأعداء فعل ذلك، وإن رآها تستلزم تأجيله إلى حين فعله وإن رأى الخير في أن يبرم صلحًا موقوتًا معهم كان ذلك هو الواجب الذي لا مناص منه. وإن رأى المصلحة تدعو إلى تحريق بيوت الأعداء وقطع أشجارهم أمر بذلك ووجبت على الجند طاعته، وإن رأى المصلحة داعية إلى خلاف ذلك أصبح هو الواجب.
وقد شرع الله تعالى الأسر، أثرًا من آثار الحرب، فهو بوصفه الكلي حكم تبليغي لا يُمس ولا يتغير. ولكن الله تعالى خول نبيه ( باعتباره القائد الأعلى للدولة الإسلامية، أن يعامل الأسرى حسبما يرى ببصيرته واجتهاده أنه المصلحة والخير للدعوة الإسلامية التي لم يشرع الجهاد إلا حماية لها. فهو -على ضوء ذلك- يتخير بين القتل، والمن والفداء والاسترقاق.
وقد شرع الله تعالى العدل وأمر النبي عليه الصلاة والسلام، كما أمر المسلمين عامة بتحقيقه والسير على منهاجه. ولكنه أعطى رسوله عليه الصلاة والسلام صلاحية رعايته وتحقيقه بالسبل التي يرى أنها المتكفلة بإقامة موازين العدل ورعايتها على أحسن وجه، على أن لا يخل ذلك بشيء من الأحكام التبليغية الثابتة.
وعلى هذا فإن النبي عليه الصلاة والسلام يملك أن يُقطع من الأموال العامة ويحرمها من يشاء، كما يملك أن يستورد من السلع والبضائع ما يشاء وأن يمنع منها ما يشاء، ما دام يتبع في ذلك ميزان المصلحة والعدل بين شتى فئات الناس.