ومن أدلة ذلك ما رواه ابن اسحاق والطبري في مسألة تحكيم النبي ( لسعد بن معاذ في يهود بني قريظة، بعد أن خانوا عهدهم مع المسلمين في غزوة الخندق، وفيه أنه لما جيء بسعد بن معاذ إلى الرسول ( قالوا له: يا أبا عمرو، أن رسول الله ولاّك أمر مواليك فيهم. فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيها ما حكمت؟ قالوا: نعم. قال وعلى من ها هنا؟ يشير إلى الناحية التي فيها رسول الله (، وهو معرض عن رسول الله إجلالًا له. فقال رسول الله: نعم. قال سعد: فإني أحكم فيهم بأن يقتل الرجال وتقسم الأموال وتُسبى الذراريّ والنساء(9) .
فقد أوضح النبي ( بجوابه لسعد أن قضاءه سار على المسلمين جميعًا، لا يملك أن ينقضه أحد بما فيهم رسول الله نفسه. وذلك بعد أن خوله النبي عليه الصلاة والسلام القضاء في يهود بني قريظة، فكيف بالخلفاء والحكام من بعده عليه الصلاة والسلام.
وبالجملة، فقد نبه النبي عليه الصلاة والسلام -كما يقول القرافي- إلى هذه الفوارق بين أحكام التبليغ وأحكام القضاء، عندما قال:"أقضاكم علي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل".
قال القرافي: قال العلماء، إذا كان معاذ أعلم بالحلال والحرام، فهو أقضى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. فما معنى قوله: أقضاكم عليّ؟!.. أجابوا رضوان الله عنهم بأن القضاء يرجع إلى التفطن لوجوه حجاج الخصوم. وقد يكون الإنسان أعلم بالحلال والحرام، وهو بعيد عن التفطن للخداع الصادرة عن الخصوم والمكايدة والتنبه لوجوه الصواب"ثم قال:"فظهر حينئذ أن القضاء يعتمد الحجاج، والفتيا تعتمد الأدلة" (10) ."
ثالثًا: أحكام الإمامة:
وهي تلك التي أنيطت مباشرة بالمصالح العامة العائدة إلى الأمة كلها، دون ملاحظة حال أفراد منها على وجه الخصوص قامت بينهم لجاج وخصومات. ومن ثم فلا يجوز أن ينظر فيها ويبرم أحكامها إلا الإمام الأعلى للمسلمين.