وقد ذكر الإمام القرافي (من كبار أئمة القرن السابع الهجري) هذه الخاصة لأحكام القضاء ثم استدل عليها بما رواه الشيخان عن رسول الله ( أنه قال:
"إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما هي قطعة من نار".
ثم قال القرافي: (دل ذلك على أن القضاء يتبع الحجاج وقوة اللحن بها. فهو( في هذا المقام منشئ، وفي الفتيا والرسالة مبلغ) (5) .
ولقد التبس الأمر على بعض الباحثين المعاصرين، إذ غاب عنه الفرق بين مستندات الحكم القضائي والحكم القضائي ذاته، فادعى أن كلًا من القضاء والفتوى يشتركان في كونهما اخبارًا عن الحكم.
ولكنا إذا أمعنا النظر، رأينا أن الفتوى ليست إلا مستندًا أو مرحلة تمهيدية لإصدار الحكم القضائي، وإن وجد تشابه في كثير من الأحيان بينهما.
ولذا كان من المقرر أن القاضي إذا قال: ثبت لدي أن الحكم كذا، لا يكون ذلك منه إصدارًا لحكم وإنما هو مجرد إعلام بمعرفته لحكم تبليغي وقناعته الذاتية به. فإن رتب على معرفته هذه حكمًا، بأن قال بعد ذلك: ولذا فقد قضيت بكيت، وبكيت، كان ذلك منه حكمًا إنشائيًا ولِد مع نطق القاضي به. والفرق بين هذا الحكم ومستنده السابق عليه والذي كان ثابتًا بحد ذاته، دون حاجة إلى أي حكم، أن الحكم الذي جاء مرتبًا عليه يحمل معه قوة الإلزام في حق المحكوم عليه أو الأطراف المعنية بالأمر، إذ يصبح بمجرد نطق القاضي به شريعة نافذة في حقهم. على حين أن مستنده العاري عن الحكم القضائي ليس أكثر من حكم إبلاغي ثابت بحد ذاته لا يتضمن أي جبر أو إلزام.
الثانية: أن أحكام القضاء لا يتم إبرامها ولا تصبح ملزمة إلا بواسطة القضاء.
وليس في الحكم القضائي قوة القياس عليه، كما لا يتضمن أي معنى شمولي يتجاوز به الجزئية التي صدر القضاء في حقها (6) .