وهي تلك التي يتم إبرامها بين المتخاصمين، طبقًا لما يظهر من الموجبات وقرائن الأحوال، والبينات والحجاج، ولا يتم تلقي هذه الأحكام تبليغًا عن الله عز وجل إن كان المبلغ هو النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن النبي أو النصوص الشرعية فيما لو تصورنا أن المبلغ هو المفتي. وإنما يصدرها قرارات إنشائية من قد عهد إليه بالسلطة القضائية بين الناس وخول أمر النظر بين المتخاصمين بناء على ما تقتضيه موازين الحجاج والبينات التي رسمها الشارع الحكيم على وجه الإعلام والتبليغ، وذلك إقامة لموازين العدل وحماية لحقوق الناس أن تتزاحم فيقضي عليها التنافس أو التسابق، ويأكل القوي الضعيف.
ومن أمثلة هذه الأحكام، فسخ الأنكحة والعقود عندما تتحقق أسباب ذلك، والتطليق بالإعسار، وتحديد النفقة الواجبة، والحجر على السفهاء والغارمين، والتمليك بموجب حق الشفعة، وإلزام الذمم بحقوق الآخرين عند ثبوت البينات على ذلك.. الخ.
ومن أبرز ما يتميز به هذا النوع الثاني من الأحكام الخصائص التالية:
الخاصة الأولى: أن أحكام القضاء تثبت إنشاء لا إخبارًا. ومن ثم فإنها لا تخضع لما يخضع له الحكم التبليغي من احتمالات الصدق والكذب، بل حتى الخطأ والصواب أيضًا إن لوحظت آثار الأحكام القضائية في دار الدنيا. فالشأن فيها كألفاظ العقود التي ينشئها المتعاقدان والطلاق الذي يتلفظ به الزوج، فهي ألفاظ إنشائية لا تخضع لوصف الصدق أو الكذب أو الصحة والخطأ.
نعم لا بد أن تعتمد هذه الأحكام الإنشائية على مستندات من الأحكام التبليغية التي ثبتت أخبارًا عن الله عز وجل، كوجوب الشاهدين في القضايا المالية، وكمطالبة المدعي بالبينة والمدعى عليه باليمين، وككثير من قرائن الأحوال والاجتهادات التي ثبتت لدى القاضي صحتها ومن ثم ثبتت لديه مشروعية الاعتماد عليها.