فهرس الكتاب

الصفحة 2924 من 23694

وسنجد الآن أنه لا فرق بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وخلفائه من بعد، في النهوض بكل من واجب الإمامة والقضاء. أما منصب الفتوى فيختلف عن منصب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وهذا الاختلاف محصور في أنه عليه الصلاة والسلام إنما كان يتلقى الفتاوي من ربه وحيًا، ثم يبلغها إلى الناس حكمًا إلهيًا نافذًا؛ أما المفتون من بعده، فإنما يأخذون ما تركه لهم رسول الله مثبتًا في القرآن والسنة، لا يزيدون عليه ولا ينقصون منه. ثم يبلغونه الناس كما كان يفعل رسول الله (.

فإن عرض لهم أمر لم يجدوه في قرآن ولا سنة، ألحقوه بأشبه ما قد يكون له من نظائر ثابتة في أحد هذين المصدرين، اقتداء بهديه ( في ذلك. إذ كان يأمر أصحابه بقياس الأمور على مشبهاتها، كلما أعوزهم الدليل المباشر من الكتاب والسنة. ومن أبرز وصاياه في ذلك، قوله لمعاذ بن جبل، وقد أرسله مفتيًا إلى اليمن:

بماذا تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أقيس الأمور بمشبهاتها. فقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله (4) .

أبرز مظاهر الفرق بين أحكام التبليغ والإمامة والقضاء

لقد تبين لنا من هذا الذي أوضحناه، أن سنة النبي ((وهي مجموعة أقواله وأفعاله وإقراراته) اتجهت في طريق دلالتها على الأحكام، ثلاثة اتجاهات متميزة، وأن كل اتجاه منها ركز على طائفة معينة من الأحكام. وهي في مجموعها، تلك التي انعكست عن تبليغاته، وعن أقضيته، وعن سياسته في الحكم.

ومعنى هذا، أن جملة الأحكام التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، تتفرع إلى هذه الأنواع الثلاثة فما هي طبيعة كل من هذه الأنواع؟ وما هو أبرز الفوارق والمميزات التي تفصل كلًا منها عن الآخر، بحيث يسهل أن يعهد بكل نوع منها إلى القائم بشأنه والمكلف برعايته، بعد رسول الله ( ، دون أن يلتبس شيء منه بالأنواع الأخرى؟

أولًا- الأحكام التبليغية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت