لقد كانت هذه الوثيقة إذن، إيذانًا بقيام أول دولة إسلامية في المدينة المنورة، بعد فترة من الرسل، ذات مقومات كاملة لحقيقة الدولة. فمن الذي يتولى رئاستها؟ ومن الذي تكون إليه السلطة القضائية فيها؟
من البداهة بمكان، أن دولة رسول الله أشرف على إنشائها، لا بد أن يكون هو رئيسها، ولا بد أن يكون هو صاحب السلطة القضائية فيها.
جمعه عليه الصلاة والسلام بين رئاسة الدولة وسلطة القضاء
وهكذا فقد كان لا بد أن يجمع النبي ( بين رئاسة الدولة وسلطة القضاء، إلى جانب مهمة الإبلاغ عن الله عز وجل لسائر الشرائع والأحكام. وما كانت بيعة العقبة وبيعة الفتح إلا عقدًا لهذه الرئاسة حسب القواعد والأصول الشرعية الثابتة، وإلا فإن الدخول في الإسلام لا يحتاج إلى أكثر من التشهد بشهادة الإسلام عن طواعية وصدق.
غير أن كلًا من مهمة القضاء والإدارة العليا للدولة، اللتين عهد بهما إلى رسول الله (، إنما يتفرع عن كونه رسولًا مبلغًا عن الله عز وجل. إذ هو لم يؤسس الدولة على النهج الذي أسسها عليه، ولم يقض بين الناس طبقًا للموازين التي كلف بإقامتها، إلا تنفيذًا للرسالة التي أوحى الله بها إليه وكلفه بإبلاغها وإلزام الناس بها.
ومن المعلوم أن هذه الجوانب الثلاثة ظلت قائمة مع استمرار الدولة الإسلامية وعلى تعاقب الأزمنة والعصور، ينهض بكل منها رجال أكفاء. ولم يكن قيامهم بأعبائها، في الحقيقة، أكثر من القيام بأعباء الخلافة عن النبي (، وأداء ما كان منصرفًا إلى أدائه على أحسن وجه ممكن.
فأول هذه الجوانب يسمى الإمامة أو الخلافة، وثانيها يسمى القضاء، وثالثها يسمى الفتوى.