فهرس الكتاب

الصفحة 2922 من 23694

نعم، إن السنوات الثلاث عشرة التي أمضاها عليه الصلاة والسلام في مكة، يبلغ فيها الناس جذور الشريعة الإسلامية، ويبصرهم بأصولها الاعتقادية فقط، إنما كانت سنوات تأسيس، فلم يكن للإسلام خلالها مجتمع ولم تكن له دولة. لذا فقد كان النبي ( طوال تلك الحقبة مجرد مبلغ عن الله عز وجل، يبلغهم جوهر المبادئ والتعليمات الأساسية، ويلقى بها آحاد الناس معلمًا ومرشدًا وناصحًا.

فلما هاجر مع أصحابه إلى المدينة المنورة واستقر به المقام فيها، ودخل أهلها الإسلام واصطبغوا بأصوله ومبادئه الأساسية الكبرى، تكونت بذلك أول دار للإسلام بعد بعثته عليه الصلاة والسلام وتهيأت لتطبيق نظمه الاجتماعية عليها. فاستكتب عليه الصلاة والسلام أصحابه (الوثيقة) التي تضمنت تنظيم علاقات المسلمين بعضهم مع بعض، وعلاقاتهم مع من يساكنونهم ويجاورونهم من اليهود. كما تضمنت الالتزام بالأصول العامة للنفقات المالية والسبيل التي شرعها الله إلى حل كل ما قد يحدث بين الناس من خصومات واشتجار، كما تضمنت مسؤولية النبي عليه الصلاة والسلام عن رعاية الأمن والطمأنينة، وعن تطبيق سائر الأحكام الإلهية الكفيلة بتحقيق ذلك كله، وأوضحت واجب المسلمين في اتباع أوامره والانقياد لحكمه.

وتحل هذه الوثيقة محل ما يسمى اليوم بالدستور، وهي تتألف مما يقارب تسعين بندًا، صيغت كأحدث ما يمكن أن يصاغ دستور من أحدث الدساتير العصرية اليوم.

تبدأ هذه البنود بقوله عليه الصلاة والسلام:

"المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أمة واحدة من دون الناس" (2) وتختم بقوله:

"من خرج من المدينة آمن، ومن قعد آمن، إلا من ظلم وأثم، وإن الله على أصدق ما في الصحيفة وأبرّه، وإن الله جار لمن بر واتقى" (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت