الدليل الأول: أنه قد تتاح للعالم فرصة للعناية ببعض أبواب الفقه، والإحاطة بمآخذ أحكامه، ومعرفة عللها، بحيث يتحقق له مناط الاجتهاد فيه، ومتى تحقق مناط الاجتهاد في باب جاز الاجتهاد فيه.
الدليل الثاني: أنه لو لم يتجزأ الاجتهاد، للزم أن يكون كل مجتهد عالمًا بجواب كل سؤال عن أية واقعة، مع أن كثيرًا من المجتهدين سئلوا عن وقائع عدة فقالوا في بعضها لا ندري، وقد روي عن الإمام مالك رضي الله عنه أنه سئل عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع منها، وقال في الست والثلاثين الباقية: لا أدري.
وذهبت طائفة أخرى من الأصوليين إلى أن من استأهل للاجتهاد في باب لا يجوز له الاجتهاد فيه، فإن الاجتهاد لا يجوز إلا ممن استأهل له في جميع أبواب الفقه، وهؤلاء هم القائلون بعدم تجزؤ الاجتهاد، وهم يبنون مذهبهم هذا على دليلين:
الدليل الأول: أن أدلة الأحكام الشرعية في أبواب الفقه المختلفة هي كتلة واحدة متماسكة، يفسر بعضها بعضًا، ويخصص بعضها بعضًا، فلا بد من الإحاطة بها جميعًا، وربما اهتدى العالم إلى حكم في البيع بمآخذ حكم آخر في الإجارة، أو الوصية، أو الهبة.
أو كما يقول الشوكاني: (المسألة في فرع من الفقه ربما كان أصلها في فرع آخر منه، فلا يمكن أن يعد الإنسان قد توافرت فيه وسائل الاجتهاد إذا أحاط بأدلة باب، ومآخذ أحكامه، دون بقية الأبواب) .