نعم نصح رضي الله عنه أبا موسى الأشعري في كتابه إليه -وهو معروف مشهور- قائلًا له: (ولا يمنعك قضاء قضيت به، وراجعت نفسك أن ترجع إلى الحق، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل) ، وقد توهم هذه النصيحة أن على المجتهد نقض حكمه المبني على اجتهاده، إذا ظهر له -باجتهاد آخر- أن الحق بخلافه، لكن هذا ليس مراده، وإنما أراد -رضي الله عنه- أن يقضي في المستقبل بما اطمأن إلى أنه الحق غير متقيِّد بما سبق أن حكم به...
ولا يعني هذا عدم نقض الحكم المبني على اجتهاد إذا ظهر أنه مخالف لدليل شرعي قطعي، كالنص الصريح، والإجماع، وإن كان هذا خارجًا عن موضوعنا، لأننا إنما نبحث في علاقة الاجتهاد بالاجتهاد، عندما يسوغ النظر، وينبني الحكم عليه.
وهذا اجتهاد ظهر بطلانه، لأنه في مسألة لا مجال للاجتهاد فيها.
8-هل يتجزأ الاجتهاد؟
لقد أشرت في مقدمة بحثي أن للاجتهاد مؤهلات يجب أن تتوافر في الفقيه، وأنه لا يعتبر أهلًا للاجتهاد من لم تتوافر له هذه المؤهلات، وأريد الآن أن أبحث في الاجتهاد من حيث قبوله أو عدم قبوله للتجزؤ.
ولكي يتضح موضوع البحث نفرض أن عالمًا جمع الآيات التي تتناول موضوع الطلاق في القرآن الكريم، والأحاديث التي تتناول نفس الموضوع في السنة النبوية الشريفة، والفتاوى التي صدرت في الطلاق من مجتهدي الصحابة والتابعين وسائر المجتهدين من بعدهم، ثم درس ذلك كله حق دراسته، وعرف جميع أحكام الطلاق ومآخذها وعللها، وحكمها، فهل يجوز له أن يجتهد في هذا الموضوع وحده؟ أم يجب لجواز اجتهاده أن يكون بهذه المكانة من العلم في جميع موضوعات الفقه وأبوابه؟
اختلفت علماء الأصول في هذا الموضوع.
فذهب طائفة منهم إلى أن من استأهل للاجتهاد في باب يجوز له الاجتهاد فيه، ولو لم يكن أهلًا للاجتهاد في غيره، وهؤلاء هم المجيزون لتجزؤ الاجتهاد، وهم يستدلون لمذهبهم بدليلين: