فهرس الكتاب

الصفحة 2914 من 23694

وكما لا ينقض الحكم المبني على اجتهاد باجتهاد آخر لنفس المجتهد، لا ينقض باجتهاد لغيره، بل هذا أولى ألا ينقض به، إذ الحكمان الاجتهاديان الصادران عن مجتهدين في مرتبة واحدة، فليس أحدهما أولى من الآخر، وليس الصواب متعينًا في أحدهما دون الآخر، والأمر ليس كذلك في الحكمين الاجتهاديين يصدران عن مجتهد واحد، في واقعتين متماثلتين، فإن آخرهما هو الصحيح، وهو الذي يجب أن يعمل به.

وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه عرضت عليه في خلافته قضية ميراث، توفيت فيها الزوجة عن زوجها، وأمها، وأخويها لأمها، وأخويها الشقيقين، فقضى للزوج بالنصف فرضًا، وللأم بالسدس فرضًا، وللأخوين لأم بالثلث فرضًا، وللأخوين الشقيقين بالباقي تعصيبًا، فلم يحصل الشقيقان على شيء من التركة، لأنهما لم يبق لهما شيء بعد نصيب ذوي الفروض، ثم عرضت عليه بعد عدة سنين قضية ميراث مماثلة، فأراد أن يحكم فيها بمثل ما حكم في سابقتها، ولمح أحد الشقيقين هذا فقال له: (هب أبانا حجرًا ملقى في اليم، أليست أمنا واحدة؟) وإذا عمر رضي الله عنه تتغير نظرته إلى المسألة، فيقضي بالثلث للأخوين لأم والأخوين الشقيقين فرضًا، على أن يتقاسموه فيما بينهم بالسوية، باعتبارهم جميعًا أخوة لأم، وقيل له: إنك قد قضيت من قبل في مثل هذه الواقعة بخلاف ما قضيت به الآن فقال رضي الله عنه: ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي...

ويعني هذا -كما هو واضح- أن كلا الحكمين نافذ، لأنه بني على اجتهاد صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت