وإنما يتصور، ويعقل، ويمكن -وقد وقع فعلًا- أن يصل المجتهد إلى حكم في واقعة باجتهاده، ثم يصل في الواقعة نفسها إلى حكم آخر، نتيجة لاجتهاد يقوم به فيما بعد. كالذي روي عن أبي يوسف رضي الله عنه في الوقف، فقد كان يرى أنه غير لازم، ثم لقي الإمام مالك بن أنس عندما حج وسمع منه ما ورد في الوقف، ورأى أوقاف الصحابة والتابعين، فرجع عن رأيه الأول، وقال بلزوم الوقف.
وكالذي روي عن الإمام الشافعي من أنه عندما هبط أرض مصر عدل عن بعض الأحكام التي كان قد وصل إليها باجتهاده في بغداد، لما رأى من أحوال البيئة في مصر، ولما سمع من علمائها...
وعندما يحدث هذا، فيجتهد فقيه في مسألة، ويصل إلى حكم فيها، ثم يعيد النظر فيها، فيصل إلى حكم مخالف للحكم الأول، فإن عليه أن يعمل بما أداه إليه اجتهاده الثاني، وينتقض بهذا اجتهاده الأول، إذ الحكم في غالب ظنه هو ما أداه إليه اجتهاده الأخير، ودليل هذا الحكم هو في غالب ظنه الدليل الراجح، ولا مكان للمرجوح -حكمًا ودليلًا- إلى جانب الراجح.
وبهذا الحكم يجب عليه أن يفتي إذا استفتي، ولو كان قد أفتى قبل ذلك بما أداه إليه اجتهاده الأول.
فإن كان حاكمًا، وكان قد حكم بما أداه إليه اجتهاده الأول، فليس له أن ينقض حكمه في هذه الواقعة، وإن تبين له خطأ هذا الحكم، لأنه حين صدر كان مبنيًا على دليل راجح في نظره، لأنه قد ترتب عليه آثاره، ولأنه لو نقضه لما استقر قضاء، ولما تحقق الفصل في خصومة، لكنه إذا عرضت عليه واقعة مماثلة، يجب عليه أن يحكم فيها بما أداه إليه اجتهاده الثاني، ولا يتقيد بالحكم السابق الذي ظهر له خطأ اجتهاده فيه.