الدليل الثاني: أن الاجتهاد ملكة راسخة في نفس المجتهد، يقتدر بها على استنباط الأحكام، للوقائع التي تعرض له، أو يستفتى فيها، وهذه الملكة إنما تحصل له من الإحاطة بأدلة الأحكام، ومآخذها، وعللها، فمن تهيأت له هذه الملكة يستطيع الاجتهاد في كل باب، ومن لم تتهيأ له لم يستطع الاجتهاد في شيء من الفقه قط، كالشاعر يستطيع أن يقول الشعر في كل غرض إذا كانت له موهبة الشعر، وإلا عجز عن قرضه تمامًا، وإنما قال بعض المجتهدين لا ندري في بعض ما سئلوا عنه، لأن بعض المسائل تتجاذبها وجهات نظر مختلفة، فلا تمكن الفتوى بشيء منها إلا بعد بحثها وتكوين رأي فيها.
والحق -فيما أرى والله أعلم- أن أهلية الاجتهاد لا تقبل التجزؤ، أما الاجتهاد بالفعل فيقبله، ذلك لأن أهلية الاجتهاد ملكة تقتضي في المتصف بها أن يكون محيطًا بجميع آيات الأحكام، وأحاديث الأحكام، وفتاوى المجتهدين ومأخذ كل حكم شرعي، وعلته، أما الاجتهاد بالفعل فإنه يتجزأ، بمعنى أن العالم الذي أحاط بالأحكام وأدلتها في جميع أبواب الفقه، وتحققت له ملكته يجوز له أن يتخصص في الاجتهاد في باب أو أكثر دون سائر الأبواب، لأن تخصصه لا يعني أكثر من أن يستثمر ملكته الاجتهادية في بعض أبواب الفقه، دون بعضها الآخر. وهذا لا شيء فيه.
الدكتور إبراهيم سلقيني
الدكتور إبراهيم محمد سلقيني: عميد كلية الشريعة- في جامعة دمشق.
من مؤلفاته: 1-أصول الفقه الإسلامي للسنة الرابعة من كلية الحقوق. 2-الفقه الإسلامي الجزء الأول (العبادات) 3-الفقه الإسلامي الجزء الثاني (العبادات) . 4-تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد للحافظ العلائي. (دراسة وتحقيق) .
الهوامش:
(1) آية /116/ من سورة النحل.
(2) آية /79/ من سورة التوبة.
(3) آية /121/ من سورة الأنعام.
(4) آية /6/ من سورة المائدة.
(5) آية /228/ من سورة البقرة.
(6) آية /122/ من سورة التوبة.
(7) آية /78/ من سورة الأنبياء.