الثالث: أن الأمة مجمعة على تجويز المناظرة بين المجتهدين، ولو كان كل واحد منهم مصيبًا فيما ذهب إليه لم يكن للمناظرة معنى ولا فائدة، وذلك لأن كل واحد منهم يعتقد أن ما صار إليه مخالفة حق، وأنه مصيب فيه، والمناظرة إما لمعرفة أن ما صار إليه خصمه صواب، أو لرده عنه، فإن كان الأول ففيه تحصيل حاصل، وإن كان الثاني فقصد كل واحد منهما لرد صاحبه عما هو عليه مع اعتقاده أنه صواب يكون حرامًا، والأمة لا تجمع على جواز أمر هو في بعض حالاته تحصيل حاصل، وفي بعض حالاته حرام.
الرابع: أن المجتهد في حال اجتهاده طالب، فلا بد أن يكون له مطلوب متقدم على اجتهاده، وهذا يقتضي أن يكون مطلوبه متعينًا في نفسه، وهو الحكم الصواب دون غيره.
الخامس: أنه لو صح تصويب كل مجتهد لوجب عند الاختلاف في الطهارة والنجاسة الحكم بصحة اقتداء كل واحد من المجتهدين بالآخر لاعتقاده صحة ما ذهب إليه مما خالفه فيه، وهو باطل.
السادس: أن القول بتصويب كل اجتهاد يلزم منه أمور ممتنعة، فيمتنع، من هذه الأمور أنه إذا تزوج شافعي بحنفية مثلًا وكانا مجتهدين ثم قال لها: (أنت بائن) جازت للزوج المراجعة بحسب ما يعتقده، وحرم على الزوجة تسليم نفسها له بحسب ما تعتقده، وهذه المنازعة لا سبيل إلى رفعها شرعًا. ومنها أنه إذا عقد واحد على امرأة بغير ولي، وعقد عليها آخر بعده بولي، لزم من صحة المذهبين حل الزوجة للزوجين، وهو محال.
ومنها أن العامي إذا استفتى مجتهدين واختلفا في الحكم، فإما أن يعمل بقولهما، وهو محال، أو بقول أحدهما ولا أولوية، أو يتحير فلا يعمل، وكلها فروض ممتنعة.
وقد رد هذا الفريق شبه الفريق الآخر من حيث الاستدلال بالمعقول بما ألخصه فيما يأتي:
فقالوا في رد الشبهة الأولى: أنها مبنية على وجوب رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى وهو باطل.