فهرس الكتاب

الصفحة 2910 من 23694

أما اتفاقهم على تسويغ خلاف بعضهم لبعض دون نكير منهم، فهو لا يعتبر إجماعًا منهم على تعدد الحق في المسألة الواحدة، إذ القائلون بأن الحق واحد لا يمنعون الاجتهاد خشية الخطأ فيه، ولا يمنعون العمل بما يؤدي إليه من أحكام خشية أن يكون بعضها خاطئًا، فهم يوجبون الاجتهاد على أهله، ويوجبون عليه العمل بما يؤديهم إليه اجتهادهم، مع افتراض أنه قد يكون خطأ، وهذا هو التفسير الصحيح لعدم إنكار بعض الصحابة على بعض الاجتهاد مع وقوع الخلاف بينهم في الأحكام الاجتهادية.

فتسويغهم للخلاف ليس إذن دليلًا على أن كل رأي من الآراء المختلفة في المسألة الواحدة حق، وبخاصة أن الأقوال المروية عنهم، والوقائع التي اختلفت أحكامهم الاجتهادية فيها تصرح بأن الاجتهاد يحتمل الصواب والخطأ، وأن الحق واحد في كل مسألة، وما عداه فخطأ.

وأما المعقول فمن أوجه:

الأول: أن المجتهد مكلف بالاجتهاد، واختلاف المجتهدين واقع لا ينكر، والأحكام الاجتهادية حين تختلف في المسألة الواحدة بين المجتهدين لا تخلو من أحوال ثلاثة: إما أن يستند كل منها إلى دليل، أو لا يستند أي واحد منها إلى دليل، أو يكون لأحدها دليل ولا دليل لسائرها.

وفي الحالة الأولى قد يرجح أحد الدليلين أو الأدلة فيكون الحكم المبني عليه هو الحق وحده، وقد يتساويان أو تتساوى الأدلة فالواجب هو التوقف أو التخيير، أما الحالة الثانية: فالأحكام كلها خطأ فيها لخلوها عن الدليل، وأما الحالة الثالثة فالحق فيها مع صاحب الدليل، وغيره مخطئ.

الثاني: أن القول بتصويب المجتهدين عند اختلافهم يفضي إلى محال، فهو محال، ذلك أنهم يختلفون بالنفي والإثبات، وبالحل والحرمة في المسألة الواحدة، والقول بتصويبهم يؤدي إلى الجمع بين النقيضين، وهو محال، فما يفضي إليه محال مثله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت