وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) فقد جعل عليه الصلاة والسلام الاقتداء بكل واحد من الصحابة هدى، مع اختلافهم في الأحكام، ولو كان فيهم مخطئ لما كان الاقتداء به هدى.
وأما الإجماع: فهو اتفاق الصحابة على تسويغ خلاف بعضهم لبعض، من غير نكير منهم على ذلك، ولو تصور الخطأ في الاجتهاد لما ساغ ذلك من الصحابة، كما لم يسوغوا ترك الإنكار على مانعي الزكاة مثلًا.
وأما المعقول، فمن أوجه:
الأول: أنه لو كان الحق متعينًا في الأحكام الاجتهادية لنصب الله تعالى عليها دليلًا قاطعًا دفعًا للإشكال وقطعًا للحجة، كما قال سبحانه: (رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (( 8) ، لكنه لم يفعل، فدل على أن الحق في هذه الأحكام ليس متعينًا.
الثاني: أنه لو كان الحق في جهة لما ساغ لأحد من العامة تقليد أحد من العلماء إلا بعد الاجتهاد والتحري فيمن يقلده، وليس الأمر كذلك. وحيث خير في التقليد دل على التساوي بين المجتهدين، إذ لا يخير الشرع إلا في حالة التساوي.
الثالث: أنه لو كان الحق في جهة واحدة مما يفضي إلى الضيق والحرج، وهو منفي بقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج (( 9) ، وقوله: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (( 10) .
الخامس: أنه لو كان المجتهد مخطئًا لما كان مغفورًا له، واللازم ممتنع.
وأما الفريق الذي قال: إن المصيب من بين المجتهدين واحد لأن الحق واحد لا يتعدد، ولأن لله في كل واقعة حكمًا من لم يصبه فهو مخطئ.
هذا الفريق هو جمهور العلماء، وقد ردوا على الفريق الأول حججه، واستدلوا لمذهبهم بحجج أقوى وهو أيضًا من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.