فهرس الكتاب

الصفحة 2905 من 23694

والذي اقتضى وجوبه على القاضي والمفتي هو أن كلًا منهما معرض بطبيعة عمله لأن تعرض عليه وقائع ليس فيها نص من إمامه، فما لم يكن عالمًا بأصول المذهب، وبالطرق التي ارتضاها أمامه لاستنباط الأحكام من أدلتها، وبالأحكام وعللها وأدلتها لم يستطع تطبيق هذه الأحكام على وجهها إذا كان قاضيًا، ولا الافتاء بها إذا استفتي.

ومع أن إيجاب الاجتهاد المقيد -لهذا السبب- على القاضي والمفتي هو الحكم الذي تتطلبه مصالح الناس، ولا يستغني عنه إقرار العدل بينهم، وهو الذي يكفل صحة ما يفتى به في إطار المذهب، فقد اشتهر في كل مذهب أن أهل الاجتهاد فيه قد انقضى عصرهم، وخلت الأرض منهم، وأن كل مذهب يجب أن يتلقى من أئمته، وقدامى المجتهدين فيه، دون إضافة إليها.

6-هل كان مجتهد مصيب؟

لقد أثبتّ في الفقرات السابقة أن الأمة الإسلامية مطالبة على سبيل الوجوب بأن يكون فيها من يستطيع الاجتهاد بنوعيه المطلق والمقيد، ومن يحسن استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، ورأينا كيف تحتم الحياة بطبيعتها المتطورة هذا، وكيف تقتضيه صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، بوصفها الشريعة العامة الدائمة، ونحن الآن ننظر في تلك الأحكام التي يوصل الاجتهاد إليها، من حيث احتمالها للصواب والخطأ، أو كونها كلها صوابًا.

وقد انقسم فقهاء المسلمين في هذه القضية إلى فريقين، يرى أحدهما: أن الأحكام المجتهد فيها تحتمل الخطأ كما تحتمل الصواب، إذ هي أحكام ظنية لا سبيل إلى القطع بكونها كلها صوابًا، ما دامت مبنية على أدلة ظنية.

ويرى الفريق الآخر: أن هذه الأحكام صواب كلها، وإن اختلفت في المسألة الواحدة بتعدد المجتهدين فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت