وهذا الأمر من الله عز وجل -لمن لا يعلم بالسؤال- يوجب على الأمة أن يكون فيها من يجيب، ومن هنا كان قوله (:(لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) ، فإن هذه الطائفة التي تقوم بالحق، وتدعو إليه لا تكون إلا من أهل النظر في الشريعة، والقدرة على استنباط الأحكام من أصولها العامة، وأدلتها التفصيلية، وهؤلاء هم أهل الاجتهاد، فيجب أن لا يخلو منهم عصر، وإلا فالأمة كلها آثمة.
الدليل الرابع: هو أن الوقائع تتجدد، وبسبب هذا التجدد الذي لا ينتهي إلا بانتهاء الحياة، تواجه الأمة الإسلامية في كل زمن أنواع من المعاملات والشركات والعقود والتصرفات، لم ترد بأحكامها نصوص، ولم يتناولها اجتهاد سابق، فلا بد إذن من وجود أهل الاجتهاد المطلق في كل عصر، ليستنبطوا لهذه الوقائع أحكامها، ويسايروا بالتشريع والتقنين تطورات الأمم، وحاجات الناس، وبخاصة أن الإسلام هو خاتم الأديان، وأنه دين البشر كلهم، في كل زمن حتى تقوم الساعة، فيجب أن يواجه حاجات كل قوم في كل زمن، وأن يكون صالحًا لكل مكان وزمان.
ولا ننسى أن نضيف هنا أننا أمام إجماع من الفقهاء على أن من يستطيع الاجتهاد، وتوفرت فيه شروطه لا يجوز له تقليد غيره، وأن نصوص القرآن تنعى على المقلدين إهمالهم لعقولهم، ومتابعتهم غيرهم، كما تأمر بإعمال العقل، وبالتفكير، والتدبر، والنظر...
وإنه لمن الحجر على العقل أن يقيد قادر على الاجتهاد، مستأهل له بإهدار عقله، وقبول ما قاله غيره.
وهذا الذي أسلفناه هو حكم الاجتهاد المطلق.
أما الاجتهاد المقيد: وهو بذل الجهد للوصول إلى حكم شرعي عملي من دليله التفصيلي، ولكن مع التقيد في استنباط الحكم من دليله بأصول مجتهد معين، وبطرق استنباطه، ووجوه استدلاله، فإن حكمه شرعًا يختلف باختلاف حال المقلد، فهو واجب عليه إذا كان ممن يتولى القضاء، أو يتصدى للافتاء بمذهب إمامه، وليس واجبًا إذا لم يكن من هؤلاء.