ووجه دلالة هذه الآية على أن الاجتهاد فرض كفاية على الأمة هو ما فيها من تكليف للمؤمنين بأن يطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منهم، وبأن يردوا ما اختلفوا في حكمه إلى الله والرسول، وهذا التكليف -كما هو واضح- عام للمؤمنين في كل بلد، وفي كل عصر وليس كل فرد من أفراد المؤمنين أهلًا لأن يرجع بنفسه إلى نصوص الله ورسوله ليعرف الأحكام الشرعية منها، وليس كل فرد أهلًا لأن يرد المتنازع فيه إلى الله والرسول.
فلا بد إذن أن يوجد في الأمة من هم أهل لمعرفة أحكام الله ورسوله من النصوص، ومن هم أهل لرد المتنازع فيه إلى الله ورسوله، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا يقال إن وجود هؤلاء في زمن يغني عن وجوب وجودهم في سائر الأزمنة، لأن الأدلة الشرعية قائمة في كل زمن، والمتنازع فيه يوجد في كل زمن.
والدليل الثاني: قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (( 6) .
الدليل الثالث: أن الله عز وجل يقول في محكم كتابه: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون((آية 43 من سورة النحل) .
وجه دلالة هذه الآية الكريمة على قضيتنا: أن الله يأمر من لا يعلم بسؤال أهل الذكر، أمرًا عامًا يشمل بعمومه الأحكام الشرعية، وأهل الذكر فيها.
ومقتضى هذا الأمر العام أن الأحكام الشرعية كغيرها يعلمها بعض الناس ويجهلها بعضهم الآخر، وأن الأمر بالسؤال يتناولها. وأهل الذكر هم أهل العلم الذين يثق بهم السائلون، ويعملون بما يفتونهم به، وهؤلاء عند الإطلاق هم أهل الاجتهاد المطلق، الذين يجيبون عن كل ما يسألون عنه، ولو لم يكن فيه بعينه نص، ولم يسبق له نظير، ولم يجمع على حكم فيه.