وأريد الآن أن أبين حكم الاجتهاد بالنسبة للعلماء الذين تحققت فيهم مؤهلاته وشروطه، في الأحوال المختلفة، وبالنسبة إلى الذين لم يستأهلوا له من العلماء وغيرهم، وبالنسبة إلى مجموع الأمة.
أ-أما حكمه بالنسبة إلى العلماء الذين استأهلوا له وتوفرت فيهم شروطه فقد يكون الوجوب العيني، وقد يكون الوجوب الكفائي، وقد يكون الندب.
فهو واجب وجوبًا عينيًا على من استأهل له إذا وقعت له حادثة، وأراد معرفة حكمها الشرعي، ذلك لأن كل مسلم مطالب بأن يتبع في عقوده وعباداته ومعاملاته ما شرعه الله تعالى من أحكام، وهذه الأحكام الشرعية إنما تستفاد من الأدلة التي أقامها الشارع للدلالة عليها، نصوصًا وغيرها، وليس من بين هذه الأدلة دليل يفيد الحكم دون اجتهاد إلا النص القطعي الصريح، أما سائر الأدلة الأخرى فإنما يستفاد الحكم منها بواسطة الاجتهاد، وحيث وجب الاجتهاد، وكان المكلف من أهله لم يجز له تقليد غيره، إذ الحكم الذي يجب عليه حينئذ هو ما أداه إليه اجتهاده.
كذلك يجب الاجتهاد وجوبًا عينيًا على من استأهل له إذا وقعت حادثة لأي فرد أو جماعة من المسلمين، وأريد معرفة حكمها الشرعي، وتعين هذا المجتهد للافتاء فيها، إما لأنه ليس في بلده سواه، وإما لضيق الوقت، وخوف فواته، إن لم يُفتِ هو في الحادثة.
وهو واجب وجوبًا كفائيًا على من استأهلوا له إذا وقعت حادثة لفرد أو لجماعة من المسلمين، واستفتوا فيها، فإن جميع المجتهدين الذين طلب إليهم الافتاء في هذه الحادثة يجب عليهم أن يفتوا فيها، وجوبًا كفائيًا.
فإن أدى بعضهم هذا الواجب أجر، ولم يأثم الباقون، وإن لم يقم أحد منهم به أثموا جميعًا، لأنهم -بحكم أهليتهم للاجتهاد- مكلفون بأن يعرفوا حكم الله في الوقائع، وبأن يهدوا إليه من يسألهم عنه، فإن هم لم ينهضوا بهذا الواجب كان على كل منهم إثم تركه.