خامسًا: العلم بما جرى عليه عرف الناس، وبأحوالهم، وبما فيه لهم صلاح أو فساد، إذ لا تتيسَّر له الفتوى الصحيحة بدون هذا العلم.
سادسًا: العلم التام باللغة العربية، من حيث بنية الكلمات، وإعرابها، وفصاحتها، ومن حيث معناها ظهورًا وخفاء، حقيقة وكناية، أفرادًا وعمومًا واشتراكًا، بحيث يتمكن نتيجة لهذا العلم من القطع بما تدل عليه كل كلمة، وبطريقة دلالتها عبارة، أو إشارة، أو فحوى، أو اقتضاء. وقد اختلف الأصوليون في بيان المقدار الواجب من هذا العلم باللغة، فذهب الشاطبي إلى اشتراط أن يبلغ فيه مبلغ الأصمعي والخليل وسيبويه، واكتفى غيره بما دون هذه المنزلة، إذا تمكن من فهم النصوص فهمًا صحيحًا دقيقًا.
سابعًا: العدالة الكاملة في دينه وخلقه، وواضح أن هذا الشرط إنما يجب توافره لقبول فتواه أو حكمه، لا لعلمه هو بما أداه إليه اجتهاده.
ثامنًا: كمال عقله، فليس لناقص العقل أن يجتهد، لأنه لن تتهيأ له وسائل الحكم الصحيح.
وهكذا إذا كان الطب والهندسة مباحًا للجميع مثلًا، لكن لا يجوز لدجال أن يتعرض لعلاج المرضى، أو قلع عيونهم، أو شق بطونهم، ولا لمن يدرس الهندسة دراسة وافية كافية أن يبني سدًا، أو يصمم قصرًا أو حصنًا، إلا بعد عميق الدراسة والحصول على المؤهلات، بل هذا جار في جميع الاختصاصات وأعراف الناس، واصطلاحاتهم في جميع الحرف والصناعات، فلا يجيزون التصدي لحرفة ما إلا بعد وجود المؤهلات الخاصة. فكان بالأحرى والأجدر أن لا يباح التصدي للاجتهاد والاستنباط إلا بعد الفهم الثاقب، ووجود هذه الشروط والمؤهلات في المجتهد والاجتهاد، فإن الاستنباط مباح بهذا المعنى، وضمن هذه الشروط.
5-حكم الاجتهاد:
أشرت فيما سبق إلى أن باب الاجتهاد لم يقفل، وبينت أهميته البالغة للشريعة الإسلامية، من حيث إنها شريعة عامة دائمة، ومن حيث تجدد الحياة وتطورها، واحتياجها الدائم -نتيجة لهذا التطور- إلى أحكام جديدة لكل ما يَجدُّ فيها.