وهكذا يتضح لنا اتساع مجال الاجتهاد، وتتبين شدة خطره، مما يوحي بأن من الخطأ كل الخطأ أن يقفل بابه.. ولكن هل من حق كل مسلم أن يجتهد؟ وبعبارة أخرى: ما هي المؤهلات التي يجب أن تتوافر في المجتهد؟.
4-شروط الاجتهاد ومؤهلاته
يجيب الإمام الشافعي رضي الله عنه، فيقول:
"لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، ويكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله، وبالناسخ والمنسوخ... ويكون بصيرًا باللغة بصيرًا بالشعر، وما يحتاج إليه للسنة والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا. فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي".
وهذا الذي يقوله الإمام الشافعي في بيان الشروط التي يجب توافرها في المفتي، يوجز المؤهلات التي لا يكون الفقيه مجتهدًا إلا إذا توافرت فيه. وهذه الشروط -أو المؤهلات للاجتهاد- هي:
أولًا: العلم التام بالتشريع العملي في القرآن كلياته وجزئياته، ذلك أن القرآن الكريم لم ينزل ليكون كتاب دعوة فحسب، ولم ينزل ليقرر أصول العقيدة الصحيحة ويوجه الأنظار إلى أدلتها وبراهينها فقط، ولكنه أنزل ليشرع للناس مع هذا أقوم شريعة يستطيعون أن يسيروا على ضوئها، وأن يحتكموا إليها: في علاقتهم بالله عز وجل، وفي علاقة بعضهم ببعض أفرادًا وشعوبًا. ومن هنا كان فيه إلى جانب آيات العقيدة والدعوة والقصص نحو خمسمائة آية، تؤصِّل قواعد التشريع، وتقرر مبادئه، وتضع كلياته، وتتناول بالتفصيل بعض الموضوعات، فتشرع أحكامها الجزئية، وتعلل لبعض هذه الأحكام.