فهرس الكتاب

الصفحة 2896 من 23694

السبب الأول: إن حجية هذه الأدلة ليست محل اتفاق بين الأئمة، فقد وقع الخلاف بينهم في كل دليل منها، وترتب على هذا الخلاف خلافهم في بناء الأحكام عليها. فالذين أثبتوا القياس يحتجون به، ويحكمون بما يؤدي إليه، على حين لا يحتج به منكروه، ولا يرتبون عليه حكمًا. والذين قبلوا الاستصلاح يعتبرونه دليلًا شرعيًا في حين يعتبره الذين لم يقبلوه عملًا بالهوى. وبعض المجتهدين يستحسن ويعتبر الاستحسان من الأدلة الشرعية، مع أن بعضهم يقول: إن من استحسن فقد شرَّع وهكذا..

السبب الثاني: إن الذين قبلوا هذه الأدلة من المجتهدين قد يختلفون في طريقة اعمالهم لها، فتترتب على اختلافهم أحكام مختلفة وإن كانت كلها ترجع إلى دليل واحد.

ففي القياس مثلًا قد يختلفون في علة حكم الأصل، فتختلف أحكامهم في الفرع. ومثال هذا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثبت ولاية التزويج على البكر الصغيرة، فذهب الشافعي رضي الله عنه: إلى أن علة ثبوت الولاية عليها هي بكارتها، ومن ثم ألحق بها البكر الكبيرة ولم يلحق بها الثيب الصغيرة، بالرغم من صغرها، وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أن علة ثبوت الولاية عليها هو صغرها، ومن ثم ألحق بها الثيب الصغيرة، بالرغم من أنها ليست بكرًا، ولم يلحق بها البكر الكبيرة، لأن العلة -وهي الصغر- لم تتحقق فيها. ومثل هذا يمكن أن يقال في الاستصلاح، والاستحسان..

السبب الثالث: إن بيئات المجتهدين تختلف، فيترتب على اختلافهم في تقدير المصالح والأعراف والضرورات، وفي طريقة الحكم عليها، ومن هنا كان للشافعي في مصر مذهب جديد، غيَّر فيه بعض ما كان يقول به في مذهبه الأول قبل سفره إلى مصر، وكان الطابع العام لمذهب الحجازيين مختلفًا عن الطابع العام لمذهب أهل العراق..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت