وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين (( 4) فيه لفظ مشترك هو الباء، فقد وضعت للتبعيض، ووضعت للإلصاق، فصارت مشتركة بين المعنيين بسبب تعدد وضعها، واختلف المجتهدون في المراد بها هنا نتيجة للاشتراك بين معانيها المختلفة. فذهب الشافعي -رضي الله عنه- إلى أن المراد بها هنا هو التبعيض، واعتبر فرض الوضوء في الرأس هو مسح بعضه، وذهب أبو حنيفة -رضي الله عنه- أنها للإلصاق، وقد دخلت على الممسوح فتفيد عموم آلة المسح وهي اليد فيجب أن لا يقل الجزء الممسوح عن الربع وهو مقدار اليد؛ ومستندًا إلى السنة العملية، واكتفى الشافعي بمطلق البعض ولو كان شعرة واحدة. وذهب مالك إلى أن الباء في الآية زائدة، فأوجب مسح الرأس كله.
وقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء (( 5) فيه لفظ مشترك هو القرء، فقد وضع للدلالة على الطهر الذي بين حيضتين، ووضع للدلالة على الحيضة، فصار من المشترك بسبب تعدد وضعه، ونتج عن هذا الاشتراك فيه اختلاف بين المجتهدين -رضي الله عنهما-، وذهب إلى الثاني أبو حنيفة وأصحابه -رضي الله عنهم-. ولكل من الفريقين أدلة رجحت لديه ما ذهب إليه، وليس هنا مجال بحثها.
ثانيًا: وأما الأدلة التي ليست نصًا - وهي مصادر الأحكام في الوقائع التي لا نص فيها فهي القياس، والاستصلاح، والاستحسان، والاستصحاب، ومراعاة العرف، وهي بطبيعتها مجال للاجتهاد لأسباب كثيرة نجمل أظهرها فيما يلي: