وهذه الوقائع التي لم يدل على حكمها نص قطعي صريح لا تخلو من حالين، فإما أن يدل على حكمها نص ظني، وإما ألا يرد فيها نص إطلاقًا. وعمل المجتهد في كل منها يختلف عن عمله في الأخرى، بل هو يختلف في كل واقعة عنه في غيرها من الوقائع وإن اتفقت جملتها في أن حكمها مستفاد من نص ظني الدلالة، أو من الأدلة التي ليست نصًا تبعًا لأسباب الظنية في النص، ولنوع الدليل في غيره.
وفيما يلي نوضح هذا الإجمال بشيء من التفصيل:
أولًا: أما النص الظني الدلالة فنحن نعني به تلك النصوص التي تحتمل أكثر من معنى، إما لأنها من المشترك الذي تعدد وضعه، فتعددت معانيه تبعًا لهذا، وإما لأن الصيغة التي وردت بها تجعلها صالحة لأن يراد بها أكثر من معنى.
فمن أمثلة المشترك قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق (( 3) فقد وضعت (الواو) للعطف، ووضعت للحال، فاعتبرت من المشترك بين المعنيين في قوله تعالى: (وإنه لفسق( واختلف الحكم في المسألة نتيجة لترجيح أحد الاحتمالين، فرجح أبو حنيفة رضي الله عنه أنها للعطف، ومن ثم اشترط لحل أكل الذبيحة أن يذكر اسم الله عليها، فكل ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها لا يحل أكلها عنده، ولو لم يذكر عليها اسم غير الله. وذهب الشافعي إلى أن الواو للحال، وأن جملة الحال في الحقيقة هي شرط الحل. ويعني هذا عنده أن الذبيحة إنما تحرم إذا صحب ذبحها فسق، أي ذكر لغير الله، فإن لم يذكر عليها اسم الله ولا اسم غيره من آلهتهم الباطلة حل أكلها، إذ لا فسق فيها حينئذ.