وتقييد الحكم بأن يكون (شرعيًا عمليًا) يخرج من دائرة المجتهدين -في اصطلاح الأصوليين- من يبذل أقصى جهده ليصل إلى حكم عقلي، أو شرعي اعتقادي، أو خلقي، كالحكم بأن زوايا أي مثلث تساوي زاويتين قائمتين، أو بأن الله عز وجل واحد لا شريك له. أو بوجوب الصدق، إذ الحكم الأول: عقلي بحت، والثاني: شرعي اعتقادي لا عملي والثالث: خلقي...
وقولهم (من دليله التفصيلي) يراد به أن يستنبط الباحث الحكم من مصدره الأصلي، وهو دليله الشرعي التفصيلي، وهذا الدليل قد يكون نصًا ظني الدلالة، وقد يكون القياس، وقد يكون الاستصلاح، وقد يكون الاستصحاب، وقد يكون مراعاة العرف. أما بذل الطاقة كاملة للوصول إلى حكم شرعي عملي من أقوال المجتهدين، أو من عبارات المتون والشروح، فلا يعتبر في نظر الأصوليين اجتهادًا.
وإنما يتم هذا كله (بطريق استنباط الحكم من دليله) لا بطريق الاتباع والتقليد، ولا بطريق الاستنباط من مصدر لا يعتبر دليلًا شرعيًا تفصيليًا.
وإذن فالاجتهاد عمل لا دليل، وهذا ما عنيناه عندما قلنا إنه أحد مصدرين للأحكام في الشريعة الإسلامية، إذ المصدر أعم من الدليل، فقد يكون هو الدليل كما إذا كان نصًا قطعيًا، وقد يكون وسيلة إليه.
3-مجال الاجتهاد
قدمنا أن النص القطعي للدلالة لا يعتبر عمل الفقيه في استنباط الحكم منه اجتهادًا، لأنه لا يكلفه أقصى جهده، فإن أيسر جهد -على فرض حاجته إليه- كاف في الوصول إلى الحكم الذي يدل عليه. وإذن فمجال الاجتهاد هو كل واقعة لم يرد بحكمها نص قطعي صريح.