ومن هنا كان غير وارد وغير حقيقي وغير قابل للتطبيق حلم يوليوس قيصر الذي أسند إليه جورج برناردشو (جريمة) إحراق مكتبة الإسكندرية العظيمة (دافعًا بذلك عن العرب هذه التهمة التي ألحقت بهم افتراء وظلمًا) . ويصف لنا برناردشو في أحد مشاهد مسرحية (أنطونيو وكليوباترا) يوليوس قيصر وهو يتلذذ بالتفرج على ألسنة النار المندلعة من حطام المكتبة وقد انبرى له المؤرخ هيرودوت يعاتبه. يقول المؤرخ:
-ذاك الذي يحترق هو ذاكرة الإنسانية.
ويجيب القائد المتغطرس:
-ذاكرة مخجلة. فلتحترق.
ويقول المؤرخ مستنكرًا
-أوَتريد أن تدك الماضي؟!
ويجيب القائد متأكدًا:
-نعم! لأبني الحاضر على أنقاضه.
وكذلك ليس حقيقيًاولا قابلًا للتطبيق ولا منطقيًا الكلام على التراث بصيغة التقديس المطلق التي تصل إلى درجة عبادة الماضي واعتباره غير قابل للنقاش، ولا سيما حين نتذكر أن كثيرًا مما تقع عليه أيدينا من التراث كان عرضة للنقاش في عصره وكان موضع نظر واختلفت فيه مذاهب القول. وإذا كان قيصر (برناردشو) يمثل أقصى حالات التطرف المضادة للتراث فإن رديارد كبلنغ- وهو انكليزي آخر معاصر لشو- يمثل أقصى حالات التعصب للتراث، فالماضي عظيم ومسلم به عنده، ولكنه يريد للأجيال أن تضيف إلى التراث (ماضيها) الخاص الذي يحمل براءته وقدسيته من عصر إلى عصر حتى قبل أن يصبح تراثًا:
يا رب السموات الذي يحبنا جميعًا
استجب لدعاء أبنائك إذ يدعون
أن توفقهم لبناء تراث يمضي غير مدنس
من عصر إلى عصر.
وليس هذا التناقض الحاد في موقفين من التراث حكرًا على الإنكليز أو غيرهم من الأمم. فالمناقشات التراثية ساخنة جدًا وذات جوانب متعددة، وتكتسب في البلاد العربية بالذات حدة مرهفة ونكهة خاصة بسبب ارتباطها بعوامل كثيرة مذهبية وقومية وتاريخية.