فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 23694

وعودًا على بدء، لنقل إن المواقف الحادة من التراث سلبًا أو إيجابًا لا تفيد قومًا ولا فردًا ولا قضية، وأن حلّ مسألة الخلاف حول التراث قد يكون في المباشرة بمناقشة للمسائل التراثية النوعية المختلفة التي من شأنها أن تزيد صورة التراث وضوحًا وملموسية، وبالتالي تساعد على تحديد طبيعة الموقف المنشود منه وتحديد منهج إحيائه وسلم أولوياته.

ومن المسائل الأولى التي لا بد من التصدي لها مسألة البعد الزمني للتراث: متى يبدأ التراث ومتى ينتهي لدى كل جيل ولدى كل أمة في مرحلة معينة من مراحل عمرها. وحتى إذا تم الاتفاق على ذلك ينبغي أن يتبعه نوع من التحديد لما يمكن أن يعتبر تراثًا ولما لا يمكن. وليس من الحكمة اعتبار الدعوة إلى هذا التحديد هرطقة أو إلغاؤها بجرة قلم. ذلك أن الغموض في هذا المفهوم هو الذي يجرّ أناسًا كثيرين لاتخاذ مواقف مضادة غير متبصرة من التراث نتيجة لتداخل عناصر المفهوم.

ومن المسائل الشائكة في قضية التراث مسألة تحديد مكانته في الحاضر. وقد ثارت في حياة الأمم المعاصرة مناقشات كثيرة حول هذه النقطة، وكانت أقوى الحجج التي قدمت لصالح إحلال التراث مكان الصدارة من التنشئة الفكرية والفنية للأمة هي حجة الحفاظ على الهوية في عالم تختلط فيه الثقافات والأزياء وطرز العيش والأفكار. وكانت أقوى الحجج التي قدمت مقابلها هي حجة الاهتمام بالحاضر حتى تستطيع الأمة أن تصمد لتيارات المنافسة الحياتية من اقتصادية وسياسية وعسكرية وأن تدخل العصر بمنطق العصر. وتتبع ذلك بالطبع مسألة الهدفية، أي تحديد الهدف الذي من أجله يتم إحياء التراث: هل هو الهدف القومي النبيل؟ أم هو الهدف المذهبي العريق؟ أم هو الهدف النفعي العملي أم غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت