فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 23694

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد الثاني - السنة الاولى - أيار"مايو"1980

لا يجوز أن تبقى مسألة التراث نهبًا موزعًا بين وجهتي نظر تبسيطيتين ومفرطتين في الحماسة،

تفيد الأولى بأن كل ما قاله الأقدمون أو كتبوه أو فكروه أو تخيلوه أو فعلوه هو (تراث) مقدس لا يأتيه الباطل من خلف أو من بين يدين، وتفيد الثانية بأن ما فات مات وأن (مخلفات) الماضي لا تصلح للحاضر وأن لكل زمن قوانينه وأفكاره وأذواقه وطرز حياته، وأن الارتباط بالماضي افتئات على الحاضر وعرقلة لبناء المستقبل، وهي وجهة نظر غير بريئة دائمًا وغير محصنة أمام الشبهات والمآرب الهجينة والأغراض الخفية.

إن قضية التراث أشد تعقيدًا وأكثر تداخلًا من أن يحلها موقف حاد متعصب.. ثم إن المسائل التي تتفرع عنها كارثة على الناس وكارثة على القضية نفسها التي من أجل سواد عينيها يتخذ الموقف الحاد.

وفيما يتعلق بقضية التراث نفسها يمكن القول إن وجود التراث أو عدمه من حيث المبدأ ليس مسألة إرادية أو رغبية وإن كان مدى هذا الوجود وأهميته وتوظيفه خاضعًا لاعتبارات إرادية أو تخطيطية. ذلك أن التراث هو امتداد الماضي في نفوسنا وعقولنا وعاداتنا، والحياة دوام لا يقبل الانقطاع ولا البتر، والتراث موجود دائمًا بشكل أو بآخر، وأية عملية لإحياء التراث ليست في الحقيقة إحياء لما هو (ميت) ، ولكنها تصحيح لطبيعة الارتباط وتقرّب من التراث بشكله الصحيح وينابيعه الصافية، وتقويم لمعناه ومفهوماته وإنعاش لتذوقه واستيعابه... وهي بالتالي وسيلة لتحويل عناصر التراث من زمن إلى زمن، بحيث تتفاعل مع الحاضر لتسهم معه في صنع المستقبل وفقًا لمدى ما تحمله من طاقة وحيوية وجدوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت