-وأخيرًا نشأت علوم إنسانية مثل الجغرافيا والتاريخ، إما بناء على أخبار السابقين أو بالاعتماد على الملاحظة والتجارب والأسفار، وهي أيضًا تمَّت بناء على توجيه الوحي نحو الإنسان والأرض وأخبار الأمم السالفة التي ذكرها القرآن.
فهل يمكن إقامة مبعث للتاريخ أساسًا للوعي بالتاريخ ابتداء من علوم الدوائر هذه وحضارة الانتشار من المركز إلى المحيط؟ أم أن التاريخ ينشأ ابتداء من الدخول فيه، ومعرفة قوانينه، وعدم الارتباط بمصدر للمعرفة مسبق؟ إن التاريخ لا ينشأ إلا في حضارة تخلصت من أغلفتها وكسرت الحصار حولها، وتحررت من إطارها الأبدي المرسوم وتململت من رتابتها وتكرارها، وانتابتها هزات تعيد بناءها بعد تفريغ هوائها من فجوات. فالتاريخ لا يعرف النمطية والقوالب المسبقة، لذلك لم يظهر لدينا مبحث التاريخ ولم ينشأ لدينا وعي بالتاريخ.
التاريخ لا ينشأ في الشعور إلا كنتيجة لإثبات الحرية بل إن"التاريخ هو قصة الحرية"كما يقول كروتشه، وإن التاريخ كله قصة تحرر البشرية، من الوصايا الخارجية للسلطتين الدينية والسياسية.
كما تحدث الدكتور حنفي عن واقع نظرية المعرفة عند العرب متأسفًا على عدم استمرار مذهب الاعتزال الذي أعطى دورًا كبيرًا للعقل في تفسير العالم،".. فإذا ما أدركنا الواقع من خلال النص وليس بتحليل العقل صعبت رؤيته وإدراك قانونه، وأصبحنا مهمشين على النصوص، ندخل في معارك التأويل، والواقع نفسه مسلوبًا عنا فتركنا التاريخ لتأويل النصوص وتركنا الأشياء لمماحكات الألفاظ، ولم نفكر في قوانين التاريخ كما فعل المعتزلة في الصلاح والأصلح والعوض، والاستحقاق والإحباط، والتفكير".