فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 23694

بينما أن النابلسي نفسه يذكر في مقدمات هذه الرحلات، أن كل ما أورده من كرامات ومعجزات ورسم مساجد وكنائس، وأضرحة واستراحات ومآكل ومشارب وروايات منقولة ومجادلات علمية وفقهية، صبها في قوالب أدبية ترمي في الظاهر إلى غايات اجتماعية وسياسية، إلا أنها تخدم في الحقيقة الخاطرة الكشف التي بوده أن يزفها إلينا، والموعظة الأزلية التي يحن إلى الارتواء والإرواء منها، نافذًا من خلال الزمان والمكان والإنسان في سعيه اليومي إلى رحلة النفس إلى الكل، التي هي رحلة التقوى، بعد الرحلة إلى الداخل (نذكر هنا باعتكاف النابلسي في داره سبع سنوات كاملات لا يخرج فيها ولا يقص شعره ولا يقلم أظافره حتى ظنه الكثيرون أنه جن) حيث تتفتح في قلب السالك اخضرار الكلمة، عظمة الخالق والخلق، وقداسة الخطوات. مع ذلك يظل يبحر في الحدس والفكر وينهمر.

"إذا قيل لنا ما السبب في أن العقل التام لا يمكنه أن يدرك الرب سبحانه وتعالى، مع أنه قدر أن يدرك كل شيء. قلنا له:"الله تعالى في غاية اللطافة، والعقل بالنسبة إليه في نهاية الكثافة. واللطيف يدرك الكثيف والكثيف لا يدرك اللطيف. ولهذا ترى الجسم لا يمكنه أن يدرك العقل لشدة لطافة العقل بالنسبة إليه. وأما العقل فيدرك الجسم. وقد قسم الله إلى لطيف وكثيف. وحجب الأول عن الثاني. ولم يحجب الثاني عن الأول (23) .

النابلسي

فيذوب هذا الرجل القطب جارحة وحجة، حول عميق المعاني، قلائدها ومكنوناتها، مقتصًا من جحيم المصنفات واغترابها لطفًا واعتدالًا. فنراه يقف بين آراء السلف والخلف، مواقف المعتزلة والأشعرية، القدرية والجبرية، علوم الطريقة الشريفة والحقيقة، موقفًا حازمًا واثقًا ثابتًا إنما فيه كثير من الحكمة والتسبيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت