وحين وصف الأستاذ ليفي برول أشكال الاتصال بين أفراد قبيلة في استراليا، أشار إلى أن لغات المجتمعات البدائية تعبِّر دائمًا عن تصورات عن الأشياء والأفعال بنفس الشكل الذي تُدرَك فيه بالعين والأذن. والاتجاه العام في تلك اللغات ينحصر في وصف كل ما يمكن إدراكه بالحواس. وقد أشار الأكاديمي السوفييتي مارّ إلى أن البشرية في مرحلة ما قبل التاريخ كانت تفكر تفكير ما قبل المنطق، أي من دون مفاهيم مجردة. ويرى أنه يقابل تلك المرحلة من تطور التفكير مرحلة خاصة في تطور اللغة سماها مرحلة الكلام المؤلف من عناصر متصلة.
وهكذا يتبين أن الاتجاه العام في اللغات البدائية ينطلق من وصف كل ما يمكن إدراكه بالعين والأذن معًا، أي ينطلق من الشخص. ويعني ذلك أن مرحلة بداية تشكل الكلام الإنساني كانت مرتبطة بالمرحلة التي لم تكن قد ظهرت فيها المفاهيم المجردة.
فإذ أخذنا بالاعتبار أن خط السير العام لتطور التفكير الإنساني انطلق من المشخّص المحدد واكتمل بالانتقال إلى المجرد العام، تبين لنا أن إدراك العلاقة الذهنية بين الصوت وما يرمز إليه كان بداية تشكل التفكير الإنساني. ويعني ذلك أن بداية تشكل الكلام الإنساني قد مرت بالضرورة بطور أولي كانت فيه الصيغة اللغوية - الأصل للكلام الإنساني عبارة عن محاكاة لأصوات الحيوان والطبيعة، لأن تلك المحاكاة كانت بمثابة قرينة تساعد الإنسان البدائي القديم في الإدراك الذهني للعلاقة بين الصوت وما يرمز إليه، بحيث ينبثق المعنى من الصوت بشكل يكاد يكون عفويًا في الموقف الكلامي الذي يرتبط به، مما يمكِّن الصيغة اللغوية - الأصل للكلام الإنساني من أداء وظيفة الاتصال. ويعني ذلك أن تلك الصيغة كانت بالضرورة صيغة لغوية حقيقية تؤدي وظيفة اتصال، ولم تكن مطلقًا صيغة مثالية مفترضة غير مرتبطة بوظيفة الاتصال.