ويعني ذلك أن مسألة (نشأة الألسن وبداية تشكل الكلام الإنساني) تدخل من حيث المبدأ في الموضوعات التي يدرسها علم اللسان، شريطة ألا تستهدف الفصل في القول بالإلهام أو التواضع، بل تستهدف اكتشاف القوانين التي تنظم اللغة. ويعني ذلك أن البحث في مسألة نشأة الألسن يحيل بالضرورة إلى البحث في الجانب المادي (الصوتي) للغة.
ثنيًا: بدائية نشأة اللسان العربي.
أوجد الأستاذ عبد الحق فاضل في كتابه، مغامرات لغوية (مَلِكة اللغات) (14) فرعًا جديدًا في علم اللسان سمّاه (الترسيس) . ويميز الأستاذ فاضل دراسة أصول الكلمات أو التأثيل Etymology عن الترسيس. فالترسيس هو إعادة اللفظة إلى جدتها الأولى في صورتها التي نطق بها الإنسان الأول (البدائي) تقليدًا لأحد الأصوات المسموعة مثل محاكاة أصوات الطبيعة أو الحيوانات، مع تعقب المراحل التطورية التي قطعتها تلك اللفظية حتى وصلت إلى الصورة التي نعرفها في إحدى اللغات. أما التأثيل (أي دراسة أصول الكلمات) فهو رد الكلمة إلى أمها المباشرة أو إلى جدتها المباشرة أو القريبة.
وكان الأستاذ فاضل قد ذكر أمثلة عن الترسيس في مقالة بعنوان:"آثار حيوانية في اللغة العربية" (15) .
يرى الأستاذ فاضل"أن اللغة العربية ما زالت تحتفظ بالألفاظ البدائية - الرسية - الأولى إلى جانب الألفاظ الراقية الحضارية المتفرعة منها. فهي لذلك تمكننا من إقامة علم (نشأة اللغة) على أركان وطيدة بالطريقة الترسيسية. وهي وحدها تمدنا بمادة (علم الترسيس) ، بينما جميع بناتها الساميات والحاميات والآريات وغيرها من لغات بني آدم لا تكفي إلا للتأثيل" (16) .