فهرس الكتاب

الصفحة 2626 من 23694

ويعني ذلك أن اللغة عند الجرجاني نظام لربط الكلمات بعضها ببعض. ولدى السعي لاكتشاف هذا النظام، لم يكن الجرجاني بحاجة إلى أخذ عامل الزمن بالاعتبار، فأكتفي بالوصف التزامني للنظام اللغوي. وأدى ذلك بالجرجاني إلى القول باعتباطية العلامة اللغوية، فقال:"إن نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط، وليس نظمها بمقتضى عن معنى ولا الناظم لها يحقق في ذلك رسمًا من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ما تحراه. فلو أن واضع اللغة كان قد قال (ربض) مكان (ضرب) لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد" (13) .

وهكذا نرى أن نظريتي ابن جني والجرجاني متتامتان، بل يصح القول إنهما تؤلفان جانبين لنظرية لغوية واحدة تعبِّر عن اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية. ويظهر التئام بين نظريتي ابن جني والجرجاني في ضرورة ربط الدراسة التزامنية للغة (التي تقدمها نظرية الجرجاني) بالدراسة التطورية للغة (التي تقدمها نظرية ابن جني) . لقد أكدت نظرية ابن جني أن اللغة لم تنشأ دفعة واحدة، في حين أكدت نظرية الجرجاني ارتباط نشأة اللغة بالتفكير ووظيفة الاتصال. ويظهر التتام بين النظريتين في تقرير أن اللغة قد نشأت وتطور نظامها واكتمل تدريجيًا بشكل مواز لنشأة التفكير الإنساني وتطور نظامه واكتماله.

ذكرنا أعلاه أننا ننطلق في دراسة مسألة (نشأة الألسن) من اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوي. لذا نرى أنه ليس مهمًا (أي لا يدخل في مهمة علم اللسان) الفصل في القول بأن اللغة تواضع أو إلهام، لأن تبني إحدى النظريتين لا يغير من حقيقة القوانين اللغوية واتساقها. وبالمقابل يعتبر مهمًا (أي يدخل في مهمة علم اللسان) اكتشاف القوانين التي تنظم اللغة وبيان أُسس التطور اللغوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت