تكشف دراسة مفردات المعجم العربي عن وجود شبه واضح بين كثير من ألفاظ اللسان العربي وبين أصوات الحيوان والطبيعة، مما يشير إلى بدائية نشأة اللسان العربي. وأرى أن خصائص بنية الفعل والاسم في اللسان العربي (التي عرضتها في المقالة الثانية من السلسلة) تعكس خصائص البنية الصوتية للسان العربي التي تشير إلى بدائية نشأة اللسان العربي. لذا فإن القول بأصالة اللسان العربي لا يحيلنا فقط إلى البحث في نشأة اللسان العربي نفسه، بل يحيلنا بالضرورة أيضًا إلى البحث في نشأة الألسن وبداية تشكل الكلام الإنساني. وأول ما يعترضنا هنا السؤال التالي: هل تدخل مسألة (نشأة الألسن وبداية تشكل الكلام الإنساني) من حيث المبدأ في الموضوعات التي يدرسها علم اللسان؟
أولًا: هل تبحث اللسانيات في نشأة الألسن؟
اتسمت الأبحاث اللسانية الأوروبية في القرن الثامن عشر بالتهافت على النظريات العقلانية التي تبحث في أصول اللغات. لذا اختصتها الموسوعة الفرنسية مثلًا بثلث مادة (لغة) . وظهرت في أواخر القرن التاسع عشر مدرسة (المحدثين من علماء القواعد) التي قالت بالحتمية المطلقة للقوانين الصوتية. اعتبرت هذه المدرسة أن غاية البحوث اللسانية الأساسية هي الوصول إلى كشف القوانين التي تخضع لها الظواهر اللغوية، ودعت إلى تخليص اللسانيات من جميع المسائل الفلسفية التي لا يتفق منهج البحث فيها مع مناهج البحث في العلوم. وكان من آثار ذلك الاتجاه أن انصرف اللسانيون عن البحث في موضوع نشأة الألسن وتركوا دراسته للمختصين بالفلسفة.