ثم عادت المدرسة اللسانية السوفييتية التي تنطلق من الفلسفة الماركسية - اللينينية - إلى البحث النظري العام في نشأة الألسن، بعد أن فصلته عن مسألة تشكل اللغات الطبيعية (الموجودة إلى الآن أو التي ثبت بالشواهد أنها كانت موجودة) . فترى المدرسة اللسانية السوفييتية أن علم اللسان يدرس تاريخ تشكل اللغات الطبيعية انطلاقًا من الحقائق الفعلية لوجودها (أصواتها وقواعد صرفها ونحوها، والشواهد الكتابية) ، في حين يدرس مسألة (نشأة الألسن وبداية تشكل الكلام الإنساني) في نطاق الفرضيات العامة والنظريات.
وتقضي تقاليد علوم اللغة العربية بإدخال مسألة (نشأة اللغات) في الدراسات اللسانية (5) . هذا وننطلق في دراسة مسألة (نشأة الألسن) من اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية.
يرى بعض الباحثين العرب أن ابن جني يفتقر إلى رؤية لغوية موحدة. يكتب مثلًا الدكتور محمد خير الحلواني ما يلي:"وقد جمع ابن جني في تراثه منحى أهل اللغة ومنهج أهل النظر. فهو لغوي فذ كما أنه معتزلي كبير، إلا أنه لم يخرج عن سنن اللغويين في تحليله للظواهر ولم يلحق بأهل النظر في تفسيرهم لنشأة اللغة. وربما كان امتزاج هذين الموروثين في نفسه سببًا في اضطراب رؤيته اللغوية العامة. وأول ما يلقانا في عرضه للنظريات الثلاث السابقة (التوقيفية، الاصطلاحية أو التواطئية، المحاكاة) تردده في الإيمان بواحدة منها، وتأرجحه بينها.. إنه لا يعرض في البدء غير نظريتين: الإلهية والتواطئية.. ونخلص من هذا كله إلى أن رؤية ابن جني اللغوية ليست سوية ولا مطردة، بل ليست موحدة. وعلة ذلك عندي شيئان: أولهما أن البحث في أصل اللغة سيقود حتمًا إلى مثل هذه الرؤى المضطربة وثانيهما أن الموروث اللغوي والفلسفي قد غمس ابن جني في تياره، فما استطاع أن ينجو منه ولا استطاع أن يحوّل مجراه" (6) .