ولكن ما بال الدكتور مصطفى حداد يلحن قول القائل (توفر له) فيقول في كتابيه (دراسات...) : و (قل ولا تقل) : (وقد أخطأ حفظه الله باستعمال اللام مع الفعل توفر، وإنما قال الفصحاء توفر عليه لا له، وتوفر فلان على فلان..) ! وإذا كان الأستاذ جواد قد أكثر من شواهده على استعمال (توفر عليه) فليس هذا سندًا له في حظر (توفر له) بحال من الأحوال. وهو قياس منقاد لا شأن فيه لحكاية أو رواية أو سماع.
فقد رأيت أبا حيان يقول: (ولهذا لا تتوفر القوتان معًا للإنسان الواحد) .. يؤيده قول المرزوقي (1507) : (خبروني أي العادتين أقرب إلى الكرم وأجرى في وفاة الشيم؟ أعادة من يستنزل الأضياف عن أموالهم وينقص ما توفر لهم، أم عادة من يزيدهم ويثمر حظوظهم؟) .
وإذا قال صاحب المصباح (وفرت له الطعام توفيرًا إذا أتممته ولم تنقصه) أفلا تقول في إثره (فتوفر له الطعام) . وإلا فكيف يسوغ قولك (وفرت له) ويمتنع (فتوفر له) ؟
وليس هذا حسب، فإذا أعملنا الفكر في تصرف الفعل بالحرفين ألفينا لكل وجهة وقصدًا. فإذا قلت: (توفر له المال) فقد أردت تجمعه في يديه أو صيرورته إلى ملكه وحوزته، وإذا قلت (توفر عليه المال) فقد لحظت إلى تجمع المال، فضل النعمة وضفوها بل تمامها وسبوغها عليه.
وإذا كان (توفر) كـ (وفر) لازمًا، فهل جاء (توفره) متعديًا كـ (وفره) ؟ أقول لم أر هذا في معجم، لكني ظفرت به في شرح الحماسة (218) ، قال المرزوقي: (يقال ودّيته فاتدى، كما يقال وهبته فاتهب أي قبل الهبة. وفي الحديث هممت ألا اتّهب إلا من قرشي أو أنصاري. ومثله: قضية الدين فافتضاه أي قبله وتوفره) .. ويعني هذا أن (توفره) كاستوفاه واستوفره. وقد أورده مورد النص، فتأمل!
هذا وقد أخذ الأستاذ صبحي البصام في رسالته الاستدراك على أستاذي العلامة الدكتور مصطفى جواد بعض ما جاء في كتابه: قل ولا تقل)، لكنه لم يعرض لشيء مما نحن فيه.